الشيخ محمد رشيد رضا

58

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

فيه الرجال ، وليس لأحدهما أن يتمنى ما هو مختص بالآخر . وجعل الخطاب عاما للفريقين مع أن الرجال لم يتمنوا ان يكونوا نساء ولا أن يعملوا عمل النساء وهو الولادة وتربية الأولاد وغير ذلك مما هو معروف وإنما كان النساء هن اللواتي تمنين عمل الرجال ، وأي عمل الرجال تمنين ؟ تمنين أخص أعمال الرجولية وهو حماية الذمار والدفاع عن الحق بالقوة ، ففي هذا التعبير عناية بالنساء وتلطف بهن وهن موضع للرأفة والرحمة لضعفهن واخلاصهن فيما تمنين ، والحكمة في ذلك أن لا يظهر ذلك التمني الناشئ عن الحياة الملية الشريفة فان تمني مثل هذا العمل غريب من النساء جدا وسببه أن الأمة في عنفوان حياتها يكون النساء والأطفال فيها مشتركين مع الرجال في هذه الحياة وفي آثارها ، وانها لتسري فيها سريانا عجيبا ، ومن عرف تاريخ الاسلام ونهضة العرب به وسيرة النبي ( ص ) والمؤمنين به في زمنه يرى أن النساء كنّ يسرن مع الرجال في كل منقبة وكل عمل ، فقد كن يأتين ويبايعن النبي ( ص ) تلك المبايعة المذكورة في ( سورة الممتحنة ) كما كان يبايعه الرجال ؛ وكنّ ينفرن معهم إذا نفروا للقتال ، يخدمن الجرحى ويأتين غير ذلك من الاعمال ، فأراد اللّه أن يختص النساء بأعمال البيوت والرجال بالاعمال الشاقة التي في خارجها ليتقن كل منهما عمله ويقوم به كما يجب مع الاخلاص له وتنكير لفظ « نصيب » لإفادة ان ليس كل ما يعمله العامل يؤجر عليه وانما الاجر على ما عمل بالاخلاص - أي ففي الكلام حث ضمني عليه - وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ أي ليسأله كل منكم الإعانة والقوة على مانيط به حيث لا يجوز له أن يتمنى مانيط بالآخر ويدخل في هذا النهي تمني كل ما هو من الأمور الخلقية كالجمال والعقل إذ لا فائدة في تمنيها لمن لم يعطها ولا يدخل فيه ما يقع تحت قدرة الانسان من الأمور الكسبية إذ يحمد من الناس ان ينظر بعضهم إلى ما نال الآخر ويتمنى لنفسه مثله وخيرا منه بالسعي والجد كأنه يقول وجهوا أنظاركم إلي ما يقع تحت كسبكم ولا توجهوها إلى ما ليس في استطاعتكم فإنما الفضل بالاعمال الكسبية فلا تتمنوا شيئا بغير كسبكم وعملكم اه أقول قال ابن الأثير في النهاية : التمني تشهي حصول الامر المرغوب فيه وحديث