الشيخ محمد رشيد رضا

57

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

التمني قد يكون حسدا وهو المنهي عنه هنا كما هو ظاهر الآية وهو حرام والرضى بالحرام حرام ، والتمني على هذا الوجه يجر إلى الأكل ، والاكل يقود إلى القتل ، فان من يرتع حول الحمى يوشك ان يقع فيه ، فإذا انتهى عن ذلك كان باطنه طاهرا عن الاخلاق الذميمة بحسب الطريقة ، ليكون الباطن موافقا للظاهر ويكون جامعا بين الشريعة والطريقة فيسهل عليه ترك ما نهي عنه ويرضى بما قسم له . وقال القفال : لما نهى اللّه تعالى المؤمنين عن أكل أموال الناس بالباطل وقتل الأنفس عقبه بالنهي عما يؤدي اليه من الطمع في أموالهم وروي في سبب نزولها ثلاث روايات إحداها عن مجاهد قال قالت أم سلمة ( رض ) يا رسول اللّه تغزو الرجال ولا نغزو وإنما لنا نصف الميراث ، فأنزل اللّه تعالى الآية . والثانية عن عكرمة أن النساء سألن الجهاد فقلن : وددنا ان اللّه جعل لنا الغزو فنصيب من الاجر ما يصيب الرجال ، فنزلت . والثالثة عن قتادة والسدي قالا لما نزل قوله تعالى « لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ » * قال الرجال إنا لنرجو أن نفضل على النساء بحسناتنا كما فضلنا عليهن في الميراث فيكون أجرنا على الضعف من أجر النساء ، وقالت النساء إنا لنرجو أن يكون الوزر علينا نصف ما على الرجال في الآخرة كما لنا الميراث على النصف من نصيبهم في الدنيا ، فأنزل اللّه تعالى وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّساءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ ذكر الروايات الثلاث الواحدي والسيوطي في الدر المنثور . وهي لا تتفق اتفاقا بيّنا مع المأثور عن ابن عباس ( رض ) في تفسير التمني بالحسد فقد روي عنه أنه قال فيها : لا يقل أحدكم ليت ما أعطي فلان من المال والنعمة والمرأة الحسناء كان عندي ، فان ذلك يكون حسدا ، ولكن ليقل اللهم أعطني مثله . الأستاذ الامام : سبب تلك الروايات الحيرة في فهم الآية ومعناها ظاهر وهو أن اللّه تعالى كلف كلا من الرجال والنساء أعمالا فما كان خاصا بالرجال لهم نصيب من أجره لا يشاركهم فيه النساء ، وما كان خاصا بالنساء لهن نصيب من أجره لا يشاركهن