الشيخ محمد رشيد رضا

473

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

فيها التفسير ألفيت المدرس يفسر آية المائدة هذه وعمدته تفسير البيضاوي ( وهو الذي يقرأه أكثر المسلمين في مدارسهم الدينية ) وهو يفسر الآية بعدم الاعتماد على اليهود والنصارى وعدم معاشرتهم معاشرة الأحباب ( وهذا من أغرب اغلاطه ) فلما قرر ذلك المفسر بالتركية قام أحد الطلبة وقال له : إذا كيف جعلتهم دولتنا في مجلسي المبعوثين والأعيان وفي هيئة الوكلاء ؟ ( أي وزراء الدولة ) ففاجأ المدرس الحصر وخرج العرق من جبينه . فإنه إذا قال إن عمل الدولة هذا مخالف لنص القرآن ، خاف على نفسه من ديوان الحرب العرفي أن يحكم عليه بالإعدام ، ولم يظهر له في الآية غير ما قاله البيضاوي ، وهل للمقلد الا نقل ما يراه في الكتاب ؟ فقلت له أتأذن لي أن أجيب هذا الطالب ؟ قال نعم . فقمت واقفا وبينت معنى الولاية وكيف كان حال النبي ( ص ) والمؤمنين مع أهل الكتاب وغيرهم في صدر الاسلام وتحقيق كون الولاية المنهي عنها في الآية هي ولاية النصرة والمعونة لهم وكانوا محاربين ، وكون استخدام الذميين منهم في الحكومة الاسلامية لا يدخل في مفهومها بل له احكام أخرى والصحابة قد استخدموهم في الدواوين الأميرية والعباسيون جعلوا اسحق الصابي وزيرا . . . فاقتنع السائل ، وأفرخ روع المدرس ، ولما علم بذلك مدير قسم الإلهيات والأدبيات في دار الفنون اتخذه وسيلة لإصدار امر من ناظر المعارف بقراءة درس التفسير وكذا درس الحديث بالعربية ، في بعض السنين وأراد أن يجعل ذلك وسيلة لجعلي مدرسا للتفسير ان أقمت في الآستانة أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً مُبِيناً أي أتريدون ان تجعلوا للّه عليكم يوم القيامة حجة بينة على استحقاقكم لعذابه إذا اتخذتموهم أولياء من دون المؤمنين ، لان هذا من عمل المنافقين ، فالسلطان بمعنى الحجة والبرهان . وقيل إنه بمعنى السلطة ومعناه ان يسلطهم عليكم بذنوبكم ، ولكن وصف السلطان بالمبين أظهر في المعنى الأول . ويستعمل المبين بمعنى البين في نفسه ومعنى المبين لغيره . ثم بين تعالى جزاء المنافقين بعد بيان أحوالهم التي استحقوا بها هذا الجزاء فقال - : « تفسير النساء » / « 60 خامس » / « النساء ج 5 »