الشيخ محمد رشيد رضا
474
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
* * * إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ الدرك ( بسكون الراء وبه قرأ الكوفيون وبفتحها وبه قرأ الباقون ) عبارة عن الطبقة أو الدرجة من الجانب الأسفل ، لأن هذه الطبقات متداركة متتابعة . ودل هذا على أن دار العذاب في الآخرة ذات دركات بعضها أسفل من بعض كما أن دار النعيم درجات بعضها أعلى من بعض ، نسأل اللّه ان يجعلنا مع المقربين من أهلها فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى ، جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ، وَذلِكَ جَزاءُ مَنْ تَزَكَّى وانما كان المنافقون في الدرك الأسفل من النار لأنهم شر أهلها بما جمعوا بين الكفر والنفاق ومخادعة اللّه والمؤمنين وغشهم ، فأرواحهم أسفل الأرواح ، وأنفسهم اخس الأنفس ، وأكثر الكفار قد أفسد فطرتهم التقليد ، وغلب عليهم الجهل بحقيقة التوحيد ، فهم مع ايمانهم باللّه يشركون به غيره ، باتخاذهم شفعاء عنده ، ووسطاء بينهم وبينه ، قياسا على معاملة ملوكهم المستبدين ، وأمرائهم الظالمين ، وهم لا يرضون لأنفسهم النفاق في الدين ، ومخادعة اللّه والمؤمنين ، والاصرار على الكذب والغش ، ومقابلة هذا بوجه وذاك بوجه ، فلما كان المنافقون أسفل الناس أرواحا وعقولا كانوا أجدر الناس بالدرك الأسفل من النار . وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً ينقذهم من عذابها ، أو يرفعهم من الطبقة السفلى إلى ما فوقها * * * إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ استثنى اللّه تعالى من ذلك الجزاء الشديد الذي أعده للمنافقين من تابوا من النفاق والكفر بالندم على ما كان منهم مع تركه والعزم على عدم مفارقته وعززوا هذه التوبة بثلاثة أمور ( أحدها ) الاصلاح وهو انما يكون بالاجتهاد في أعمال الايمان التي تغسل ما تلوثت به النفس من اعمال النفاق كالتزام الصدق والنصيحة للّه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ، والأمانة التامة ، والوفاء ، وإقامة الصلاة بالخشوع والحضور ، ومراقبة اللّه تعالى وما أشبه ذلك ( ثانيها ) الاعتصام باللّه ، وهو انما يكون بالتمسك بكتابه ، تخلقا باخلاقه وتأدبا بآدابه ، واعتبارا بمواعظه ، ورجاء في وعده ، وخوفا من وعيده ، وانتهاءا عن منهياته ، وائتمارا بأوامره ، بحسب الاستطاعة ، قال تعالى في سورة