الشيخ محمد رشيد رضا

45

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً اي انه كان بنهيه إياكم عن أكل أموالكم بالباطل وعن قتل أنفسكم رحيما بكم لان في ذلك حفظ دمائكم وأموالكم التي هي قوام مصالحكم ومنافعكم ، فيجب ان تتراحموا فيما بينكم ويكون كل منكم عونا للآخرين على حفظ النفس ومدافعة رزايا الدهر ، * * * وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ ناراً قال الأستاذ الامام : ذهب بعض المفسرين إلى أن المشار اليه في قوله « ذلِكَ » كل ما تقدم النهي عنه من أول السورة إلى الآية السابقة ، وقال ابن جرير ان المشار اليه هو ما نهي عنه من قوله تعالى « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهاً » إلى هنا وذلك ان المنهيات التي قبل تلك الآية قد اقترنت بالوعيد عليها على حسب سنة القرآن ولكن هذه المنهيات الأخيرة لم يوعد عليها بشيء وان وصفت بالقبح الذي يترتب عليه الوعيد . - وهي النهي عن ارث النساء كرها وعن عضلهن لاخذ شيء من مالهن وعن نكاح ما نكح الآباء في الجاهلية ، وعن اكل أموال الناس بالباطل وعن القتل - وقال بعضهم ان المشار اليه في هذه الآية هو القتل فقط وقد قصر كل التقصير وأكثر المفسرين على أن المراد بذلك ما في الآية الأخيرة من النهي عن اكل أموال الناس بالباطل وعن القتل وهذا هو المعقول المقبول فان ما قبلها من المنهيات التي لم تقترن بالوعيد قد اقترنت بالوصف الدال عليه ( قال ) والعدوان هو التعدي على الحق فكأنه قال بغير حق ، وهو يتعلق بالقصد فمعناه ان يتعمد الفاعل اتيان الفعل وهو يعلم أنه قد تعدى الحق وجاوزه إلى الباطل ، والظلم يتعلق بالفعل نفسه بأن كان المتعدي لم يتحر ويجتهد في استبانة ما يحل له منه فيفعل ما لا يحل ، والوعيد مقرون بالامرين معا وهما ان يقصد الفاعل العدوان وان يكون فعله ظلما في الواقع ونفس الامر ، فإذا وجد أحدهما دون الآخر لا يستحق هذا الوعيد الشديد . مثال تحقق العدوان دون الظلم ان يقتل الانسان رجلا يقصد الاعتداء عليه ثم يظهر له انه كان راصدا له يريد قتله ولو لم يسبقه لقتله ، أو انه كان قتل من له ولاية دمه كأصله أو فرعه ، فههنا لم يتحقق الظلم وأما العدوان فواقع لا محالة ، ومثال تحقق الظلم فقط ان يسلب امرؤ مال آخر ظانا انه ماله الذي كان