الشيخ محمد رشيد رضا
46
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
سرقه أو اغتصبه منه ثم يتبين له ان المال ليس ماله وانه لم يكن هو الذي اخذ ماله ، وان يقتل رجلا رآه هاجما عليه فظن أنه صائل يريد قتله ثم يتبين له خطأ ظنه ، فههنا تحقق الظلم ولكن لم يتحقق العدوان . أقول وقد يعاقب الانسان على بعض الصور التي لا تجمع بين العدوان والظلم معا لتقصيره في استبانة الحق ولكن عقاب من يجمع بينهما واصلاؤه النار إدخاله فيها واحراقه بها ، وأصله من الصلى وهو القرب من النار للاستدفاء . قال الراجز * يقعي جلوس البدوي المصطلي * أي المستدفىء وتتمة هذا البحث اللغوي في تفسير الآية التاسعة من هذه السورة ( ص 394 ج 4 تفسير ) وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً أي ان ذلك الوعيد البعيد شأوه ، الشديد وقعه ، يسير على اللّه غير عسير ، وقريب من العادين الظالمين غير بعيد ، لان سنته قد مضت بأن يكون العدوان والظلم مدنسا للنفوس مدسيا لها بحيث يهبط بها في الآخرة ، ويرديها في الهاوية ، وقال الأستاذ الامام : ان معنى كونه يسيرا على اللّه تعالى هو ان حلمه في الدنيا على المعتدين الظالمين وعدم معاجلتهم بالعقوبة لا يقتضي ان ينجوا من عقابه في الآخرة . وهذا الذي قاله لا ينافي ما قلناه بل هو تنبيه إلى موضع العبرة أي فلا يغترن الظالمون بعزتهم وقوتهم على من يظلمونهم ، ولا يقيس الآخرة على الدنيا فيكونوا كأولئك المشركين ، الذين قالوا فيما حكى اللّه عنهم « نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ » بل يجب ان لا يأمنوا تقلب الدنيا وغيرها ولا ينخدعوا بقول الشاعر لقد أحسن اللّه فيما مضى * كذلك يحسن فيما بقي ( 30 : 35 ) إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً * * * نهى سبحانه عن اكل الأموال بالباطل وعن قتل الأنفس وهما أكبر الذنوب المتعلقة بحقوق العباد ، وتوعد فاعل ذلك عدوانا وظلما بالنار ، ثم نهى عن جميع الكبائر التي يعظم ضررها وتؤذن بضعف ايمان مرتكبها ، ووعد على تركها بالجنة ومدخل الكرامة ، وقيل المراد بالكبائر هنا جميع ما تقدم النهي عنه في هذه السورة . قال