الشيخ محمد رشيد رضا
436
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ولا من غيرهم من المخلوقات التي اتخذها بعض البشر آلهة وأربابا ، لا على معنى انها هي الخالقة بل على معنى انها شافعة وواسطة ، فكل تلك الأماني في الشفعاء كأضغاث الأحلام ، برق خلب وسحاب جهام ، وانما المدار في النجاة على الايمان والأعمال ، كما صرح به فقال ؟ * * * وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً اي كل من يعمل ما يستطيع عمله من الصالحات - اي الاعمال التي تصلح بها النفوس في اخلاقها وآدابها وأحوالها الشخصية والاجتماعية سواء كان ذلك العامل ذكرا أو أنثى - خلافا لبعض البشر الذين حقروا شأن الإناث ، فجعلوهن في عداد العجماوات لا في عداد الناس - من يعمل ما ذكر من الصالحات وهو متلبس بالايمان مطمئن به فأولئك العاملون المؤمنون باللّه واليوم الآخر يدخلون الجنة بزكاء أنفسهم وطهارة أرواحهم ، ويكونون مظهر فضل اللّه تعالى وكرمه ، ومحل احسانه ورضوانه ، ولا يظلمون من أجور اعمالهم شيئا مّا اي لا ينقصون شيئا وان كان بقدر النقير - وهو النكتة التي تكون في ظهر النواة وهي ثقبة صغيرة وتسمى نقرة كأنها حصلت بنقر منقار صغير ويضرب بها المثل في القلة - لا ينقصون شيئا بل يزيدهم اللّه من فضله . ولا يعارض هذه الآية والآيات الكثيرة التي بمعناها حديث « لن يدخل أحدكم الجنة عمله » الخ لأن معناه ان الانسان مهما عمل من الصالحات لا يستحق على عمله تلك الجنة العظيمة التي فيها ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر الا بفضل اللّه الذي جعل الجزاء الكبير على عمل قليل . وهو الذي هدى اليه ، وأقدر عليه . وقد قدم ههنا ذكر العمل على ذكر الايمان لأن السياق في خطاب قوم مؤمنين باللّه وملائكته وكتبه ورسله قد قصروا في الاعمال واغتروا بالأماني ظانين ان مجرد الانتساب إلى أولئك الرسل والايمان بتلك الكتب هو الذي يجعلهم من أهل جنة اللّه ، وأكثر الآيات يقدم فيها ذكر الايمان على ذكر العمل لورودها في سياق بيان أصل الدين ، ومحاجة الكافرين ، والايمان في هذا المقام هو الأصل المقدم والعمل