الشيخ محمد رشيد رضا
437
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
أثره وممدّه ، ومن الحديث في معنى الآية « الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت ، والأحمق من أتبع نفسه هواها . وتمنى على اللّه » قال الحاكم على شرط البخاري هذا وان في هاتين الآيتين من العبرة والموعظة ما يدكّ صروح الأماني ومعاقل الغرور التي يأوي إليها ويتحصن فيها الكسالى والجهال والفساق من المسلمين الذين جعلوا الدين كالجنسية السياسية وظنوا ان اللّه العزيز الحكيم يحابي من يسمي نفسه مسلما ويفضله على من يسميها يهوديا أو نصرانيا بمجرد اللقلب ، وان العبرة بالأسماء والألقاب لا بالعلم والعمل ، ومتى يرجع هؤلاء إلى هدي كتابهم الذي يفخرون به ، ويبنون قصور أمانيهم على دعوى اتباعه ؟ - وقد نبذوه وراء ظهورهم ، وحرموا الاهتداء به على أنفسهم ، لان بعض المعممين سموا الاهتداء به من الاجتهاد الذي أقفل دونهم بابه ، وانقرض في حكمهم أربابه ، ولا تلازم بين الاهتداء بالقرآن ، والقدرة على استنباط ما تحتاج اليه الأمة من الاحكام ، فقد كان عامة أهل الصدر الأول من هؤلاء المهتدين ، ولم يكونوا كلهم أئمة مستنبطين ، وقد يقدر على الاستنباط ، من لم يكن قائما على هذا الصراط ، فيا أهل القرآن ! لستم على شيء حتى تقيموا القرآن ، وتهتدوا بهديه في الإيمان والأعمال ، وتبذلوا في سبيله الأنفس والأموال ، والا فقد رأيتم ما حل بكم بعد ترك هديته من الخزي والنكال ، وضياع الملك وسوء الحال ، فإلى متى هذا الغرور والاهمال ، وحتى م تتعللون بالأماني وكواذب الآمال ؟ هذا - ومن أراد زيادة البصيرة في غرور المسلمين بدينهم على تقصيرهم في العمل به وفي نشره والدعوة اليه فليراجع كتاب الغرور في آخر الجزء الثالث من كتاب الاحياء للغزالي ولولا انني الآن حلف أسفار ، لا يقر لي في بلد قرار ، لأطلت بعض الإطالة في بيان الغرور والمغترين ، والأماني والمتمنين ، إثارة لكوامن العبرة ، واستدرارا لبواخل العبرة ، وليس عندي في هذه الآية شيء عن الأستاذ الامام رحمه اللّه تعالى * * * ولما بين تعالى أن أمر النجاة بل السعادة منوط بالعمل والايمان معا أتبع ذلك