الشيخ محمد رشيد رضا

427

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

مولاه . والمعنى ان الشيطان خلق هكذا فدعاؤه دعاء متمرد على الحق بعيد عن الخير مغرى باغواء البشر وإضلالهم كما عبر عن طبعه وسجيته بصيغة القسم * * * وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ اي لاتخذنّ منهم نصيبا ولأضلنهم عن الحق ولاشغلنهم بالأمانيّ الباطلة ، اي هذا شأنه ومقتضى طبعه ، والأماني جمع أمنية قال الراغب وهي الصورة الحاصلة في النفس من تمني الشيء . يقال تمنى الشيء إذا أحب ان يكون له وان لم يتخذ له أسبابه كما يتمنى المقامر الثروة بالمقامرة وهي ليست سببا طبيعيا للغنى بل ليست من الكسب المعتاد . والمعنى الأصلي لهذه المادة التقدير ، يقال منى لك الماني اي قدر لك المقدر ، والمصدر المنى بالفتح . قال الراغب ومنه المنا الذي يوزن به فيما قيل . وأقول الأجدر بهذا ان يكون هو الأصل على المذهب المعروف في كون الأشياء الجامدة والمدركة بالحواس هي أصل للأشياء المعنوية والتمني تقدير شيء في النفس وتصويره فيها ، وقد يكون عن تخمين وظن ، وقد يكون عن روية وبناء على أصل ، ولما كان أكثره عن تخمين صار الكذب له أملك ، فأكثره تصور ما لا حقيقة له كما قال الراغب . وقال الأستاذ الامام : إن اضلاله لمن يضلهم هو عبارة عن صرفهم عن العقائد الصحيحة بمعنى انه يشغلهم عن الدلائل الموصلة إلى الحق والهدى . وأما التمنية فهي في الاعمال بأن يزين لهم الاستعجال باللذات الحاضرة والتسويف بالتوبة وبالعمل الصالح . بل هذا اسم جامع لأنواع وحي الشيطان كلها وتغريره للناس بعفو اللّه ورحمته ومغفرته وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ البتك يقارب البت في معناه العام الذي هو القطع والفصل فالبت يقال في قطع الحبل والوصل من الحسيات ، وفي الطلاق يقال طلقها بتة أي طلاقا بائنا . والبتك يقال في قطع الأعضاء والشعر ونتف الريش . وبتكت الشعر تناولت بتكة منه وهي بالكسر القطعة المنجذبة جمعها بتك قال الشاعر * طارت وفي يده من ريشها بتك * والمراد به ما كانوا يفعلونه من قطع آذان بعض الانعام لأصنامهم كالبحائر التي كانوا يقطعون أو يشقون آذانها شقا واسعا