الشيخ محمد رشيد رضا

422

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

يسمونها توسلا وشفاعة ، ولا يسمون من يدعونهم من دون اللّه أو مع اللّه شركاء ، ولكن لا يأبون ان يسموهم أولياء وشفعاء ، وانما الحساب والجزاء على الحقائق لا على الأسماء ، ولو لم يكن منهم الادعاء غير اللّه ونداؤه لقضاء الحاجات ، وتفريج الكربات ، لكفى ذلك عبادة له هو وشركا باللّه عز وجل ، فقد قال النبي صلى اللّه عليه وسلم « الدعاء هو العبادة » رواه أبو داود والترمذي وقال : حسن صحيح وفي رواية ضعيفة « الدعاء مخ العبادة » والأولى تفيد حصر العبادة الحقيقية في الدعاء ، وهو حصر على سبيل المبالغة كأن ما عدا الدعاء لا يعد عبادة بالنسبة اليه . وقد قالوا إن هذا الحديث من قبيل حديث « الحج عرفة » اي هو الركن الأهم الذي لا يعتد بغيره عند تركه ، ومن تأمل تعبير الكتاب العزيز عن العبادة بالدعاء في أكثر الآيات الواردة في ذلك وهي كثيرة جدا يعلم كما يعلم من اختبر أحوال البشر في عباداتهم ان الدعاء هو العبادة الحقيقية الفطرية التي يثيرها الاعتقاد الراسخ من أعماق النفس ولا سيما عند الشدة ، وأن ما عدا الدعاء من العبادات في جميع الأديان فكله أو جله تعليمي تكليفي يفعل بالتكلف وبالقدوة وقد يكون في الغالب خاليا من الشعور الذي به يكون القول أو العمل عبادة وهو الشعور بالسلطة الغيبية التي هي وراء الأسباب العادية . حتى إن الأدعية التعليمية في جميع الأديان قد تكون خالية من معنى العبادة وروحها الذي ذكرناه سواء دعي بها اللّه وحده أو دعي بها غيره معه أو وحده ، ولا سيما الأدعية الراتبة في الصلوات الموقوتة أو في غير الصلوات ، فان الحافظ لها يحرك بها لسانه في الوقت المعين وقلبه مشغول بشيء آخر ، انما العبادة جدّ العبادة في الدعاء الذي يفيض على اللسان من سويداء القلب وقرارة النفس ، عند وقوع الخطب ، وشدة الكرب ، والشعور بشدة الحاجة إلى الشيء ، واستعصاء الوسائل اليه ، وتقطع الأسباب دونه ، ذلك الدعاء الذي تسمعه من أصحاب الحاجات ، وذوي الكربات ، عند حدوث الملمات ، وفي هياكل العبادات ، ولدى قبور الأموات ، ذلك الدعاء الخالص الذي يغشاه جلال الإخلاص ، ويمثل كل حرف من حروفه معنى الخشوع التام ، وناهيك بما يفجره هذا الخشوع ، من