الشيخ محمد رشيد رضا
423
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ينابيع الدموع ، ذلك الدعاء الذي يستغله سدنة الهياكل ، ويستثمره خدمة المقابر ، ويضن به ويدافع عنه رؤساء الأديان ، لأنه أشد أركان رياستهم على العوام ، ومنهم من يضن به ، لأنه لا يرى للجمهور الجاهلين غنى عنه ، ولا يرى في حيز الامكان استبدال التوحيد به ، على أن الموحدين أعلى إخلاصا ، وأشد حبا للّه وخشوعا ، « وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ » « 1 » وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ اي ومن يشرك باللّه أحدا أو شيئا فيدعوه معه ، ويذكر اسمه مع اسمه ، أو يدعوه من دونه ، ملاحظا في دعائه انه يقربه اليه زلفى ، أو غير ملاحظ ذلك ولا متذكر له ، وان كان بحيث لو ذكر به لذكره ، وهذا النوع من الشرك في العبادة الذي يتجلى في الدعاء هو أقواها لأن الاعتقاد فيه يكون وجدانيا حاكما على النفس مستعبدا لها ، ودونه الشرك المبني على الفكر والنظر الذي يحاجك صاحبه بالشبهات المشهورة المنتزعة من تشبيه الخالق بالمخلوقين ، وقياسه على الملوك الظالمين ، كقولهم : ان الإنسان المذنب الخاطئ والضعيف المقصر ، لا يليق به ان يخاطب الإله العظيم كفاحا ، ولا ان يدعوه مباشرة ، بل عليه ان يتخذ له وليا يكون واسطة بينه وبينه ، كما يتخذ آحاد الرعية الوسائط إلى الملوك والامراء من المقربين إليهم ، وقد يكون صاحب هذه العقيدة النظرية مقلدا فيها بالرأي والقول - الذي يسميه حجة ودليلا - سليم الوجدان من تأثيرها لعدم التقليد فيها بتكرار العمل فهو لا يلابسه الا قليلا ، وكذلك من يشرك في ربوبية اللّه تعالى باتخاذ بعض المخلوقين شارعين يحلون له ما يرون تحليله ، ويحرمون عليه ما يرون تحريمه ، فيتبعهم في ذلك - من يشرك باللّه اي نوع من أنواع الشرك فَقَدْ ضَلَّ عن القصد وتنكب سبيل الرشد ، ضَلالًا بَعِيداً عن صراط الهداية ، موغلا في مهامه الغواية ، لأنه ضلال يفسد العقل ويدسي النفس ، فيخضع صاحبه ويستخذي لعبد مثله ، ويخشع ويضرع أمام مخلوق يحاكيه أو يزيد
--> ( 1 ) راجع تفسير هذه الآية وما بعدها في الجزء الثاني من التفسير