الشيخ محمد رشيد رضا
40
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
فالبلاد التي يعمل فيها بالاسلام لا يوجد فيها مضطر إلى القوت والستر قط سواء كان مسلما أو غير مسلم ، لان الاسلام يفرض على المسلمين فرضا قطعيا ان يزيلوا ضرورة كل مضطر ، كما يفرض في أموالهم حقا آخر للفقراء والمساكين ومساعدة الغارمين الذين يبذلون أموالهم للاصلاح بين الناس ولغير ذلك من أنواع البر ، ويرى كل من يقيم في تلك البلاد أن مال الأمة هو ماله لأنه إذا اضطر اليه يجده مذخورا له ، وقد يصيبه منه حظ في غير حال الاضطرار وقد جعل المال المعين المفروض في أموال الأغنياء تحت سيطرة الجماعة الحاكمة من الأمة لئلا يمنعه بعض من يمرض الايمان في قلوبهم ، وترك إلى أريحية الافراد سائر ما أوجبه الشرع عليهم أو ندبهم اليه ، وحثهم باطلاق النصوص عليه ، ورغبهم فيه ، وذمهم على منعه ، ليكون الدافع لهم إلى البذل من أنفسهم ، فتقوى ملكات السخاء والنجدة والمروءة والرحمة فيها ، ولم يبح للمحتاج ان يأخذ ما يحتاج اليه من أيديهم بدون اذنهم ومرضاتهم لان في ذلك مفسدتين مفسدة قطع أسباب تلك الفضائل وما في معناها ومفسدة اتكال الكسالى على كسب غيرهم ، ومن وراء هاتين المفسدتين انحطاط البشر وفساد نظام الاجتماع ، فان الناس خلقوا متفاوتين في الاستعداد فمنهم المغمول ، المخلد إلى الكسل والخمول ، ومنهم محب الشهرة والظهور ، وتذليل صعاب الأمور ، فإذا أبيح للكسالى البطالين ، ان يفتاتوا على الكاسبين المجدّين ، فيأخذوا ما شاؤوا أو احتاجوا من ثمرات كسبهم ، بغير رضاهم ولا اذنهم ، أفضت هذه الإباحة إلى الفوضى في الأموال ، والضعف والتواني في الاعمال ، والفساد في الاخلاق والآداب ، كما لا يخفى على أولي الألباب ، فوجب أن لا يأخذ أحد مال أحد الا بحق ، أو يبذل صاحب المال ما شاء عن كرم وفضل ، فمتى يعود المسلمون إلى حقيقة دينهم ويكونون حجة له على جميع الملل كما كان سلفهم ، فيقيموا المدنية الصحيحة في هذا العصر كما أقامها أولئك في عصورهم ؟ . وقد تقدم تفسير مثل هذه الجملة في سورة البقرة ( س 2 آية 188 ج 2 ص 189 ) وذكرنا هنا لك ما في هذه الإضافة من إعجاز الايجاز أما الباطل فقد قلنا هنا لك انه ما لم يكن في مقابلة شيء حقيقي وهو من البطل والبطلان اي الضياع والخسار فقد حرمت الشريعة أخذ المال بدون مقابلة حقيقية