الشيخ محمد رشيد رضا
41
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
يعتد بها ورضى من يؤخذ منه وكذا انفاقه في غير وجه حقيقي نافع . وقال الأستاذ الامام هنا : فسر الجلال وغيره الباطل بالمحرم وهو إحالة للشيء على نفسه فان اللّه حرم الباطل بهذه الآية فقولهم إن الباطل هو المحرم يجعل حاصل معنى الآية : انني جعلت المال المحرم محرما . والصواب ان الباطل هو ما يقابل الحق ويضادّه ، والكتاب يطلق الالفاظ كالحق والمعروف والحسنات أو الصالحات ، وما يقابلها وهو الباطل والمنكر والسيئات ، ويكل فهمها إلى أهل الفطرة السليمة من العارفين باللغة ومن ذلك قوله في اليهود « وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ » فحق فلان في المال هو الثابت له في العرف وهو ما إذا عرض على العقلاء المنصفين أصحاب الفطرة السليمة يقولون إنه له ، فيدخل في الباطل الغصب والغش والخداع والربا والغبن والتغرير . وقوله « بَيْنَكُمْ » للاشعار بأن المال المحرم لأنه باطل هو ما كان موضع التنازع في التعامل بين المتعاملين كأنه واقع بين الآكل والمأكول منه ، كل منهما يريد جذبه لنفسه ، فيجب ان يكون المرجح للمال بين اثنين يتنازعان فيه هو الحق ، فلا يجوز لاحد ان يأخذه بالباطل . وعبر بالأكل عن مطلق الاخذ لأنه أقوى أسبابه وأعمها وأكثرها قال تعالى إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ قرأ الكوفيون تجارة بالنصب اي الا أن تكون تلك الأموال تجارة الخ وقرأها الباقون بالرفع على أن كان تامة والمعنى الا ان توجد تجارة عن تراض منكم ، والاستثناء منقطع قالوا والمعنى لا تقصدوا إلى أكل أموال الناس بالباطل ولكن اقصدوا أن تربحوا بالتجارة التي تكون صادرة عن التراضي منكم وتخصيصها بالذكر دون سائر أسباب الملك لكونها أكثر وقوعا وأوفق لذوي المروآت . وروى ابن جرير عن الحسن وعكرمة انهما قالا كان الرجل يتحرج ان يأكل عند أحد من الناس بهذه الآية فنسخ ذلك بالآية التي في سورة النور « وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ » الآية . وروى ابن أبي حاتم والطبراني بسند صحيح عن ابن مسعود أنه قال في هذه الآية إنها محكمة ما نسخت ولا تنسخ إلى يوم القيامة .