الشيخ محمد رشيد رضا

39

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ضعف هذا النوع كله - فبطل تعليلهم لمنع النساء والصغار من الإرث بالضعف - وبعد ان بين كيفية التصرف في النكاح بالأموال وغيرها حفظا للأنساب ، ذاكرا كيفية التصرف في الأموال تطهيرا للأسباب ، مخاطبا لأدنى الأسنان في الايمان ، ترفيعا لغيرهم عن مثل هذا الشان ، وذكر الآية وقال الأستاذ الامام : كان الكلام من أول السورة إلى هنا في معاملة اليتامى والأقارب والنساء ثم في معاملة سائر الناس ومدار الكلام في تلك المعاملات على المال حتى أنه لما ذكر ما يحل وما يحرم من النساء لم يخرج الكلام عن احكام المال فقد ذكر ما يفرض لهن وما يجب من إيتائهن أجورهن ، وبعد ذكر تلك الأنواع من الحقوق المالية ذكر قاعدة عامة للتعامل المالي فقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ أضاف الأموال إلى الجميع فلم يقل لا يأكل بعضكم مال بعض للتنبيه على ما قررناه مرارا من تكافل الأمة في حقوقها ومصالحها كأنه يقول إن مال كل واحد منكم هو مال أمتكم فإذا استباح أحدكم أن يأكل مال الآخر بالباطل كان كأنه أباح لغيره أكل ماله وهضم حقوقه لان المرء يدان كما يدين . هذا ما عندي ونقل بعض من حضر الدرس على الأستاذ أنه قال أيضا إن في هذه الإضافة تنبيها إلى مسألة أخرى وهي أن صاحب المال الحائز له يجب عليه بذله - أو البذل منه - للمحتاج فكما لا يجوز للمحتاج ان يأخذ شيئا من مال غيره بالباطل كالسرقة والغصب ، لا يجوز لصاحب المال ان يبخل عليه بما يحتاج اليه وأقول زيادة في البيان ان مثل هذه الإضافة قد قررت في الاسلام قاعدة الاشتراك التي يرمي إليها الاشتراكيون في هذا الزمان ولكنهم لم يهتدوا إلى سنة عادلة فيها ، ولو التمسوها في الاسلام لوجدوها ، ذلك بأن الاسلام يجعل مال كل فرد من أفراد المتبعين له مالا لأمته كلها ، مع احترام الحيازة والملكية وحفظ حقوقها فهو يوجب على كل ذي مال كثير حقوقا معينة للمصالح العامة ، كما يوجب عليه وعلى صاحب المال القليل حقوقا أخرى لذوي الاضطرار من الأمة ومن جميع البشر ويحث فوق ذلك على البر والاحسان والصدقة الدائمة والصدقة المؤقتة والهدية .