الشيخ محمد رشيد رضا
402
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الاسلام واتباع الهوى والتعاون عليه وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وقد عصمك اللّه من الناس ومن اتباع الهوى في الحكم بينهم . وهذه الآية ناطقة بأنه صلّى اللّه عليه وسلم لم يجادل عنهم ولا أطمعهم في التحيز لهم قبل نزول الوحي ولا بعده بالأولى هذا ما ظهر لي الآن . وقد رجعت بعد كتابته إلى مذكراتي التي كتبتها في درس الأستاذ الامام فإذا فيها ما نصه : كان الكلام في المختاتنين أنفسهم ومحاولتهم زحزحة الرسول ( ص ) عن الحق ، وقد أراد تعالى بعد بيان تلك الأوامر والنواهي وتوجيهها إلى نبيه ( ص ) أن يبين فضله ونعمته عليه . قال الأستاذ ولا يصح تفسير الآية بما ورد من قصة طعمة لأنه على ما روي قد هم هو وأصحابه باضلال النبي عن الحق الذي انزله اللّه عليه ، وهو تعالى يقول إنه بفضله ورحمته عليه قد صرف نفوس الأشرار عن الطمع في إضلاله والهمّ بذلك . وذلك ان الأشرار إذا توجهت ارادتهم وهممهم إلى التلبيس على شخص ومخادعته ومحاولة صرفه عن الحق فلا بد له ان يشغل طائفة من وقته لمقاومتهم وكشف حيلهم وتمييز تلبيسهم وذلك يشغل المرء عن تقرير الحقائق وصرف وقت المقاومة إلى عمل آخر صالح نافع ، ولذلك تفضل اللّه على نبيه ( ص ) ورحمه بصرف كيد الأشرار عنه حتى بالهم بغشه وزحزحته عن صراط اللّه الذي أقامه عليه اه وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ الكتاب القرآن والحكمة فقه مقاصد الكتاب وأسراره ووجه موافقتها للفطرة وانطباقها على سنن الاجتماع البشري واتحادها مع مصالح الناس في كل زمان ومكان وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ هو في معنى قوله تعالى « ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ » ولا دليل فيه على أن المراد به تعليمه الغيب مطلقا بل هو الكتاب والشريعة ، وخصوصا ما تضمنته هذه الآيات من العلم بحقيقة الواقعة التي تخاصم فيها بعض المسلمين مع اليهودي وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً إذ اختصك بهذه النعم الكثيرة وأرسلك للناس كافة ، وجعلك خاتم النبيين ، فيجب أن تكون أعظم الناس شكرا له ، ويجب على أمنك مثل ذلك ليكونوا بهذا الفضل خير أمة أخرجت للناس ، وقدوة لهم في جميع الخيرات