الشيخ محمد رشيد رضا
395
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ان يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي بنحو مما أسمع ، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار » ومن مباحث الأصول في هذه الآية مسألة حكمه صلّى اللّه عليه وسلّم بالوحي فقط أو بالوحي تارة وبالاجتهاد أخرى . وقد تقدم ان قوله تعالى « أَراكَ اللَّهُ » معناه أعلمك علما يقينيا كالرؤية في القوة والظهور وما ذلك الا الوحي الذي يفهم ( ص ) منه مراد اللّه فهما قطعيا . وروي أن عمر ( رض ) كان يقول : لا يقولن أحدكم قضيت بما أراني اللّه تعالى فان اللّه تعالى لم يجعل ذلك الا لنبيه ( ص ) واما أحدنا فرأيه يكون ظنا لا علما . ذكره الرازي ثم قال « إذا عرفت هذا فنقول قال المحققون : هذه الآية تدل على أن النبي ( ص ) ما كان يحكم الا بالوحي والنص » ثم فرع عن ذلك أن الاجتهاد ما كان جائزا له وانما يجب عليه الحكم بالنص ، وذكر ان الامر باتباعه يقتضي تحريم القياس وعدم جوازه لولا ان أجيب عن ذلك بان القياس ثبت بالنص أيضا وقال الإمام سليمان بن عبد القوي الطوفي الحنبلي في كتاب ( الإشارات الإلهية ، إلى المباحث الأصوليه ) : « لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ » يحتمل ان المراد بما نصه لك في الكتاب ويحتمل ان المراد بما اراكه بواسطة نظرك واجتهادك في احكام الكتاب وأدلته وفيه على هذا دليل على أنه عليه السّلام كان يجتهد فيما لا نص عنده فيه من الحوادث وهي مسألة خلاف في أصول الفقه « حجة من أجاز هذه الآية وأن الاجتهاد في الاحكام منصب كمال ، فلا ينبغي ان يفوته عليه السّلام ، وقد دل على وقوعه منه قوله عليه السّلام « لو قلت نعم لوجب - ولو سمعت شعره قبل قتله لم أقتله » في قضيتين مشهورتين « حجة المانع ( وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى ، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى ) ولأنه قادر على يقين الوحي والاجتهاد لا يفيد اليقين لجوازه في حقه والحالة هذه كالتيمم مع القدرة على الماء « ثم على القول الأول وهو ان الاجتهاد جائز له هل يقع منه الخطأ فيه أم لا ؟ فيه قولان للأصوليين أحدهما لا لعصمته . والثاني نعم بشرط ان لا يقرّ عليه