الشيخ محمد رشيد رضا
388
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الصلاة في أثنائها وما يراعى فيها إذا كان العدو متأهبا للحرب من اليقظة واخذ الحذر وحمل السلاح في أثنائها . وبين للمؤمنين في هذا السياق شدة عداوة الكفار لهم وتربصهم غفلتهم واهمالهم ليوقعوا بهم . بعد هذا نهى عن الضعف في لقائهم ، وأقام الحجة على كون المشركين أجدر بالخوف منهم ، لان ما في القتال والاستعداد له من الألم والمشقة يستوي فيه المؤمن والكافر ، ويمتاز المؤمن بان عنده من الرجاء باللّه ما ليس عند الكافر ، فهو يرجو منه النصر الذي وعد به ، ويعتقد انه قادر على انجاز وعده ، ويرجو ثواب الآخرة على جهاده لأنه في سبيل اللّه ، وقوة الرجاء تخفف كل ألم وربما تذهل الانسان عنه وتنسيه إياه . اه أقول فالآية تفسير هكذا وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ اي عليكم بالعزيمة وعلو الهمة مع اخذ الحذر والاستعداد حتى لا يلمّ بكم الوهن ( وهو الضعف مطلقا أو في الخلق أو الخلق كما قال الراغب ) في ابتغاء القوم الذين ناصبوكم العداوة اي طلبهم ، فهو امر بالهجوم بعد الفراغ من الصلاة ، بعد الأمر بأخذ الحذر وحمل السلاح عند أدائها ، وذلك أن الذي يلتزم الدفاع في الحرب تضعف نفسه وتهن عزيمته ، والذي يوطن نفسه على المهاجمة تعلو همته وتشتد عزيمته ، فالنهي عن الوهن نهي عن سببه ، وأمر بالاعمال التي تضاده فتحول دون عروضه ، إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ لأنهم بشر مثلكم ، يعرض لهم من الوجع والألم مثل ما يعرض لكم ، لان هذا من شأن الأجسام الحية المشترك بينكم وبينهم ، وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ لأنكم تعلمون من اللّه ما لا يعلمون ، وتخصونه بالعبادة والاستعانة وهم به مشركون ، وقد وعدكم اللّه احدى الحسنيين - النصر أو الجنة بالشهادة - إذا كنتم للحق تنصرون ، وعن الحقيقة تدافعون ، فهذا التوحيد في الايمان ، والوعد من الرحمن ، هما مدعاة الامل والرجاء ، ومنفاة اليأس والقنوط ، والرجاء يبعث القوة ، ويضاعف العزيمة ، فيدأب صاحبه على عمله بالصبر والثبات . واليأس يميت الهمة ، ويضعف العزيمة ، فيغلب على صاحبه الجزع والفتور ، فإذا استويتم