الشيخ محمد رشيد رضا

367

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

فقيل ظنت ان القصر مشروط بالخوف والسفر فإذا زال الخوف زال سبب القصر . وهذا التأويل غير صحيح فان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم سافر آمنا وكان يقصر الصلاة والآية قد أشكلت على عمر ( رض ) وغيره فسأل عنها رسول اللّه ( ص ) فأجابه بالشفاء وان هذا صدقة من اللّه وشرع شرعه للأمة « وكان هذا بيان ان حكم المفهوم غير مراد وان الجناح مرتفع في قصر الصلاة عن الآمن والخائف ، وغايته انه نوع تخصيص للمفهوم أو رفع له ، وقد يقال إن الآية اقتضت قصرا يتناول قصرا لأركان بالتخفيف وقصر العدد بنقصان ركعتين وقيد ذلك بأمرين الضرب في الأرض والخوف ، فإذا وجد الأمر ان أبيح القصر فيصلون صلاة الخوف مقصورة عددها وأركانها ، وان انتفى الأمران فكانوا آمنين مقيمين انتفى القصران فيصلون صلاة تامة . وان وجد أحد السببين ترتب عليه قصره وحده ، فإذا وجد الخوف والإقامة قصرت الأركان واستوفي العدد . وهذا نوع قصر وليس بالقصر المطلق في الآية . فان وجد السفر والأمن قصر العدد واستوفي الأركان وسميت صلاة أمن . وهذا نوع قصر وليس بالقصر المطلق . وقد تسمى هذه الصلاة مقصورة باعتبار نقصان العدد ، وقد تسمى تامة باعتبار إتمام أركانها ، وانها لم تدخل في قصر الآية ، والأول اصطلاح كثير من الفقهاء المتأخرين ، والثاني يدل عليه كلام الصحابة كعائشة وابن عباس وغيرهما : « قالت عائشة فرضت الصلاة ركعتين ركعتين فلما هاجر رسول اللّه ( ص ) إلى المدينة زيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر . فهذا يدل على أن صلاة السفر عندها غير مقصورة من أربع وانما هي مفروضة كذلك . وان فرض المسافر ركعتان . وقال ابن عباس فرض اللّه الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة . متفق على حديث عائشة وانفرد مسلم بحديث ابن عباس . وقال عمر بن الخطاب : صلاة السفر ركعتان والجمعة ركعتان والعيد ركعتان تمام غير قصر على لسان محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وقد خاب من افترى . وهذا ثابت عن عمر ( رض ) وهو الذي سأل النبي ( ص ) ما بالنا نقصر وقد أمنا ؟ فقال له رسول اللّه ( ص ) « صدقة تصدق اللّه بها عليكم فاقبلوا صدقته » ولا تناقض بين