الشيخ محمد رشيد رضا
362
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
بيضته ، وتحمي دعاته وأهله من بغي الباغين ، وعدوان العادين ، وظلم الظالمين ، فإذا كانت هذه الجماعة أو الدولة أو الحكومة ضعيفة يخشى عليها من إغارة الأعداء وجب على المسلمين أينما كانوا وحيثما حلوا ان يشدوا أزرها ، حتى تقوى وتقوم بما يجب عليها ، فإذا توقف ذلك على هجرة البعيد عنها إليها وجب عليه ذلك وجوبا قطعيا لا هوادة فيه ، والا كان راضيا بضعفها أو معينا لأعداء الاسلام على إبطال دعوته ، وخفض كلمته ، كانت هذه الأسباب الثلاثة متحققة قبل فتح مكة فلما فتحت قوي الاسلام على الشرك في جزيرة العرب كلها وصار الناس يدخلون في دين اللّه أفواجا والنبي صلّى اللّه عليه وسلّم يرسل إلى كل جهة من يعلم أهلها شرائع الاسلام ، فزال سبب وجوب الهجرة لأجل الامن من الفتنة والقدرة على إقامة الدين ، وسبب وجوبها لأجل التفقه في الدين الا نادرا ، وسبب وجوبها لتأييد جماعة المسلمين وتقويتهم ونصرهم على من كان يحاربهم لأجل دينهم . ولهذا قال صلّى اللّه عليه وسلّم « لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا » رواه أحمد والشيخان وأكثر أصحاب السنن من حديث ابن عباس . ورووا مثله عن عائشة . ومما لا مجال للخلاف فيه ان الهجرة تجب دائما بأحد الأسباب الثلاثة كما يجب السفر لأجل الجهاد إذا تحقق سببه ، وأقوى موجباته اعتداء الكفار على بلاد المسلمين واستيلاؤهم عليها * * * ( 100 : 103 ) وَإِذا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ، إِنَّ الْكافِرِينَ كانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِيناً ( 101 : 104 ) وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ ، فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ ، وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ ، وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً