الشيخ محمد رشيد رضا
361
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
عبد اللّه وانا عبد اللّه ورسوله ثم تلا عليهم « إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ » الآية فأتيا أكثم فقالا له ذلك ، فقال أي قوم ، انه يأمر بمكارم الاخلاق وينهى عن ملائمها فكونوا في هذا الامر رءوسا ولا تكونوا أذنابا . فركب بعيره متوجها إلى المدينة فمات في الطريق فنزلت فيه الآية . مرسل اسناده ضعيف . واخرج أبو حاتم في كتاب المعمرين من طريقين عن ابن عباس انه سئل عن هذه الآية قال نزلت في أكثم قيل فأين الليثي قال هذا قبل الليثي بزمان وهي خاصة عامة اه ومجموع الروايات يؤيد رأينا من أنها نزلت هي وما قبلها في سياق احكام الحرب لا منفردة فطبقوها على الوقائع التي حدثت في ذلك العهد ولم تنزل لأجل واقعة معينة منها * * * ( حكمة الهجرة وسبب مشروعيتها ) قد علم من هذه الآيات ومن غيرها مما نزل في الهجرة ومن الأحاديث والسنة التي جرى عليها الصدر الأول من المسلمين أن الهجرة شرعت لثلاثة أسباب أو حكم اثنان منها يتعلقان بالافراد والثالث يتعلق بالجماعة : أما الأول فهو أنه لا يجوز لمسلم ان يقيم في بلد يكون فيها ذليلا مضطهدا في حريته الدينية والشخصية فكل مسلم يكون في مكان يفتن فيه عن دينه أو يكون ممنوعا من إقامته فيه كما يعتقد يجب عليه ان يهاجر منه إلى حيث يكون حرا في تصرفه وإقامة دينه ، والا كانت اقامته معصية يترتب عليها ما لا يحصى من المعاصي ، والا جاز له الإقامة . وهذا هو الذي عناه الأستاذ الامام بما قاله عن بعض المسلمين المقيمين في بلاد الانكليز متمتعين بحريتهم الدينية وأما الثاني فهو تلقي الدين والتفقه فيه وكان ذلك في عصر النبي ( ص ) خاصا بالزمن الذي كان فيه ارسال الدعاة والمرشدين من قبله ( ص ) متعذرا لقوة المشركين على المسلمين وصدهم إياهم عن ذلك . ولا يجوز لمن أسلم في مكان ليس فيه علماء يعرفون أحكام الدين ان يقيم فيه بل يجب ان يهاجر إلى حيث يتلقى الدين والعلم وأما الثالث المتعلق بجماعة المسلمين فهو انه يجب على مجموع المسلمين أن تكون لهم جماعة أو دولة قوية تنشر دعوة الاسلام ، وتقيم أحكامه وحدوده ، وتحفظ « تفسير النساء » / « 46 خامس » / « س 4 ج 5 »