الشيخ محمد رشيد رضا
34
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
طلب العلم والحكمة ، وتزكية النفس بالأدب والفضيلة ، ولا غرو فالقرآن هدى للمتقين ، لا قوانين وضعية للمتكلفين ، ولا رسوم عرفية للجامدين ، بعد كتابة ما تقدم ذهبت إلى احدى دور الكتب ( في القسطنطينية ) حيث انا فراجعت كتاب حجة اللّه البالغة للشيخ احمد المعروف بشاه وليّ اللّه الدهلوي فإذا هو يقول في حكم محرمات النكاح « والأصل في التحريم أمور ( منها ) جريان العادة بالاصطحاب والارتباط وعدم إمكان لزوم الستر فيما بينهم وارتباط الحاجات من الجانبين على الوجه الطبيعي دون الصناعي فإنه لو لم تجر السنة بقطع الطمع عنهن والاعراض عن الرغبة فيهن لهاجت مفاسد لا تحصى ، وأنت ترى الرجل يقع بصره على محاسن امرأة أجنبية فيتوله بها ، ويقتحم في المهالك لأجلها ، فما ظنك فيمن يخلو معها وينظر إلى محاسنها ليلا ونهارا . وأيضا لو فتح باب الرغبة فيهن ولم يسد ولم تقم اللائمة عليهم فيه افضى ذلك إلى ضرر عظيم عليهن فإنه سبب عضلهم إياهن عمن يرغبن فيه لأنفسهم فإنه بيدهم أمرهن وإليهم إنكاحهن ، وان لا يكون لهم ان نكحوهن من يطالبهم عنهن بحقوق الزوجية مع شدة احتياجهن إلى من يخاصم عنهن » ونظر لذلك بمسألة عضلهم لليتامى الغنيات كما تقدم في أوائل السورة قال ( ومنها ) الرضاعة فان التي أرضعت تشبه الام من حيث إنها سبب اجتماع أمشاج بنيته وقيام هيكله غير أن الام جمعت خلقته في بطنها وهذه درت عليه سد رمقه من أول نشأته فهي أم بعد الام وأولادها أخوة بعد الاخوة ، وقد قاست في حضانته ما قاست ، وقد ثبت في ذمته من حقوقها ما ثبت ، وقد رأت منه في صغرها ما رأت ، فيكون تملكها والوثوب عليها مما تمجه الفطرة السليمة ، وكم من بهيمة عجماء لا تلتفت إلى أمها أو إلى مرضعتها هذه اللفتة ، فما ظنك بالرجال ( وأيضا ) فان العرب كانوا يسترضعون أولادهم في حي من الاحياء فيشب فيهم الولد ويخالطهم كمخالطة لمحارم ويكون عندهم للرضاعة لحمة كلحمة النسب » ثم ذكر الحديث في هذا المعنى والرضاع المحرم وكون الأصل في مقداره عشر رضعات والخمس للاحتياط قال ( ومنها ) الاحتراز عن قطع الرحم بين الأقارب فان الضرتين تتحاسدان وينجر البغض إلى أقرب الناس منهما والحسد بين الأقارب أخنع وأشنع . وقد كره