الشيخ محمد رشيد رضا
355
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
أهله لأنه لضعف إيمانه يؤثر مصلحة الدنيا التي هو فيها على الدين ، ومنهم الضعيف المستضعف الذي لا يقدر على التفلت من مراقبة المشركين وظلمهم ولا يدري أية حيلة يعمل ولا أي طريق يسلك . وقد بين اللّه حكم من بترك الهجرة لضعف دينه وظلمه لنفسه مع قدرته عليها لو أرادها ، ومن يتركها لعجزه وقلة حيلته وظلم المشركين له فقال إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ الخ توفى الشيء أخذه وافيا تاما ، وتوفي الملائكة للناس عبارة عن قبض أرواحهم عند الموت ، ولفظ توفاهم » هنا يحتمل ان يكون فعلا ماضيا أي توفنهم الملائكة ، وكل من تذكير الفعل وتأنيثه جائز هنا . وعلى هذا تكون العبارة حكاية حال ماضية ، ويكون سحب حكمهم على جميع من كانت حاله مثل حالهم بطريق القياس . ويحتمل - وهو الأقرب - ان يكون فعلا مستقبلا حذفت منه إحدى التائين فيكون الحكم فيه عاما بنص الخطاب . والمعنى ان الذين تتوفاهم الملائكة بقبض أرواحهم عند انتهاء آجالهم حالة كونهم ظالمي أنفسهم بعدم إقامة دينهم وعدم نصره وتأييده ، وبرضاهم بالإقامة في الذل والظلم حيث لا حرية لهم في أعمالهم الدينية قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ أي تقول لهم الملائكة بعد توفيها لهم ( وفيه الالتفات على الوجه المختار ) : في أي شيء كنتم من أمر دينكم . قال في الكشاف معنى « فِيمَ كُنْتُمْ » التوبيخ بأنهم لم يكونوا في شيء من الدين حيث قدروا على المهاجرة ولم يهاجروا . يعني ان الاستفهام يراد به التوبيخ على شيء معلوم ، لا حقيقة الاستعلام عن شيء مجهول ، ولهذا حسن في جوابه قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ وهو اعتذار من تقصيرهم الذي وبخوا عليه بالاستضعاف أي اننا لم نستطع ان نكون في شيء يعتد به من امر ديننا لاستضعاف الكفار لنا ، فرد الملائكة هذا العذر عليهم و قالُوا أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها وتحرروا أنفسكم من رق الذل الذي لا يليق بالمؤمن ولا هو من شأنه . أي ان استضعاف القوم لكم لم يكن هو المانع لكم من الإقامة معهم في دارهم بل كنتم قادرين على الخروج منها مهاجرين إلى حيث تكونون في حرية