الشيخ محمد رشيد رضا
356
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
من أمر دينكم ولم تفعلوا فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ قيل إن هذا هو خبر « إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ » وقيل بل خبره قوله « قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ » وقيل محذوف . ومعنى الجملة سواء كانت هي الخبر أم لا ان أولئك الذين لم يكونوا على شيء يعتد به من أمر دينهم لإقامتهم بين الكفار الذين يصدونهم عن ذلك مأواهم ومسكنهم في الآخرة نار جهنم وَساءَتْ مَصِيراً أي وقبحت جهنم مأوى ومصيرا لمن يصير إليها لان كل ما فيها يسوءه لا يسرّه منه شيء . قيل إنه توعدهم بجهنم كما يتوعد الكفار لان الهجرة للقادر كانت شرطا لصحة الاسلام ، وقيل بل كانوا من المنافقين الذين اظهروا الاسلام ولم يتبطنوه . وهناك وجه آخر هو الذي يلجأ اليه في مثل هذا جمهور الفقهاء وهو ان جهنم تكون لهم مأوى موقتا على قدر تقصيرهم وما فاتهم من الفرائض في الإقامة مع الكفار تحت سلطانهم وما عساهم اقترفوا ثم من المعاصي قال في الكشف بعد تفسير الآية : وهذا دليل على أن الرجل إذا كان في بلد لا يتمكن فيه من إقامة أمر دينه كما يجب لبعض الأسباب - والعوائق عن إقامة الدين لا تنحصر - أو علم أنه في غير بلده أقوم بحق اللّه وأدوم على العبادة ، حقت عليه المهاجرة . ثم ختم الكلام فيها بدعاء أبان فيه أنه إنما هاجر إلى مكة فرارا بدينه ليتمكن من إقامته كما يجب وهاك ما عندي في الآية عن درس الأستاذ الامام : ذكر تعالى في الآية السابقة فضل المجاهدين في سبيل اللّه على القاعدين لغير عجز فعلم أن العاجز معذور ، ومعنى سبيل اللّه الطريق الذي يرضيه ويقيم دينه . ثم ذكر حال قوم أخلدوا إلى السكون وقعدوا عن نصر الدين بل وعن إقامته حيث هو ، وعذروا أنفسهم بأنهم في أرض الكفر حيث اضطهدهم الكافرون ومنعوهم من إقامة الحق وهم عاجزون عن مقاومتهم . ولكنهم في الحقيقة غير معذورين لأنه كان يجب عليهم الهجرة إلى المؤمنين الذين يعتزون بهم ، فهم بحبهم لبلادهم ، واخلادهم إلى أرضهم ، وسكونهم إلى أهليهم ومعارفهم ، ضعفاء في الحق لا مستضعفون ، وهم بضعفهم هذا قد حرموا أنفسهم بترك الهجرة من خير الدنيا بعزة المؤمنين ، ومن خير الآخرة بإقامة الحق ، فظلمهم