الشيخ محمد رشيد رضا

349

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وقيل معنى « من الله عليكم » انه تفضل عليكم بالتوبة من قتل من قتلتموه بهذه التهمة التي كنتم مثله فيها فَتَبَيَّنُوا أي اطلبوا البيان أو كونوا على بينة من الامر تقدمون عليه ولا تأخذوا بالظن ولا بالظنة ( التهمة ) ، أو تثبتو ولا تعجلوا بعد في مثل هذا إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً لا يخفى عليه شيء من نيتكم فيه ومن المرجح له هل هو محض الدفاع عن الحق أم ابتغاء الغنيمة . قال الأستاذ الامام هذا تأكيد لذلك التنبيه في قوله « تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا » لأجل التحذير من الوقوع في مثل هذا الخطأ فهو شبيه بالوعيد . ويحتمل ان يكون وعيدا إذا قلنا إن قوله تعالى « تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا » حكم جديد بان قتل من القى السّلام يعد من قتل المؤمن عمدا . والمعنى ان اللّه تعالى خبير بأعمالكم لا يخفى عليه شيء من مرجحات الحمل عليها في نفوسكم فإن كان فيه ابتغاء حظ الحياة الدنيا فهو يجازيكم على ذلك فلا تغفلوا ، بل تثبتوا وتبينوا ، وحكم الآية يعمل به بصرف النظر عن سبب نزولها وهو ان كل من اظهر الاسلام يقبل منه ويعد مسلما ولا يبحث عن الباعث له على ذلك ، ولايتهم في صدقه وإخلاصه أقول فأين هذا من حرص من لم يهتدوا بكتاب اللّه في اسلامهم ولا في عملهم باحكامه على تكفير من يخالف أهواءهم من أهل القبلة بل من أهل العلم الصحيح والدعوة إلى كتاب اللّه تعالى وسنة رسوله صلّى اللّه تعالى عليه وسلّم ! ! فليعتبر المعتبرون هذا وان الجاهلين بتاريخ الاسلام ، وبأحوال الأمم والدول إلى هذا الزمان ، يظنون أن الصحابة رضوان اللّه عليهم كانوا ملومين في أخذ الغنائم ممن يظفرون بهم ، وأن بعض أمم الحضارة صارت أرقى في هذا الامر منهم ، وان قوانينها في الحرب أقرب إلى النزاهة والعدل من أحكام الاسلام ، وكيف هذا وقوانين الدول المرتقية كلها تبيح أخذ كل ما تصل اليه اليد من أموال المحاربين ؟ لا يصدهم عن ذلك سلام ولا دين ، وقد علمت من هذه الآيات ان الاسلام يمنع قتل من يظهر الاسلام ، ومن يلقي السلم أو السّلام ، ومن بينه وبين المسلمين عهد وميثاق ، إما على المناصرة وإما على ترك القتال ، ومن اتصل بأهل الميثاق المعاهدين ، ومن اعتزل القتال فلم يساعد