الشيخ محمد رشيد رضا

350

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

فيه قومه المقاتلين ، وبعد هذا كله رغب عن ابتغاء عرض الدنيا بالقتال ، ليكون لمحض رفع البغي والعدوان ، وتقرير الحق والاصلاح ، ولا همّ لجميع الدول والأمم الان ، الا الربح وجمع الأموال ، وهم ينقضون العهد والميثاق مع الضعفاء ، ولا يلتزمون حفظ المعاهدات الا مع الأقوياء ، وهو ما شدد الاسلام في حفظه ، وحافظ عليه النبي ( ص ) في عهده ، وحافظ عليه خلفاؤه الراشدون من بعده ، فأين ارقى أمم المدنية من أولئك الأئمة المهديين ، رضوان اللّه عليهم أجمعين * * * ( 94 : 97 ) لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ ، فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقاعِدِينَ دَرَجَةً ، وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى ، وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً ( 95 : 98 ) دَرَجاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً ، وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً مضت سنة القرآن في مزج آيات الاحكام العملية بما يرغب في الأعمال الصالحة وينشط عليها ، ويحفز الهمم إليها ، وينفر من القعود عنها ، والتكاسل والتواكل فيها ، وعلى هذه السنة جاءت هاتان الآيتان بين آيات أحكام القتال ، فهما متصلتان بها أتم الاتصال ، * * * قال تعالى لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أي عن الجهاد في سبيل اللّه لتأييد حرية الدين ، وصد غارات المشركين ، وتطهير الأرض من الفساد ، وإقامة دعائم الحق والاصلاح غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ العاجزين عن هذا الجهاد كالأعمى والمقعد والزمن والمريض وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أي لا يكون القاعدون عن الجهاد بأموالهم بخلا بها وحرصا عليها ، وبأنفسهم إيثارا للراحة والنعيم على التعب وركوب الصعاب في القتال ، مساوين للمجاهدين الذين يبذلون أموالهم في الاستعداد للجهاد بالسلاح والخيل والمؤنة ، ويبذلون أنفسهم بتعريضها للقتل