الشيخ محمد رشيد رضا

348

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

للّه في جهاد أعدائكم فَتَبَيَّنُوا يقول فتأنوا في قتل من أشكل عليكم أمره فلم تعلموا حقيقة إسلامه ولا كفره ، ولا تعجلوا فتقتلوا من التبس عليكم أمره ، ولا تقدموا على قتل أحد الا على قتل من علمتموه يقينا حربا لكم وللّه ولرسوله وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ يقول ولا تقولوا لمن استسلم لكم فلم يقاتلكم مظهرا لكم انه من أهل ملتكم ودعوتكم لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَياةِ الدُّنْيا فتقتلوه ابتغاء عرض الحياة الدنيا أي طلبا لمتاعها الذي هو عرض زائل ، وما اذن اللّه لكم في قتال الذين يقاتلونكم لتكونوا مثلهم في أطماعهم الدنيوية بل للدفاع عن الحق واعلاء كلمته ونشر هدايته فَعِنْدَ اللَّهِ مَغانِمُ كَثِيرَةٌ من رزقه وفواضل نعمه . هذا ما قاله ابن جرير ذكرناه بلفظه الا تفسير قوله تعالى « لَسْتَ مُؤْمِناً » الخ فقد ذكرناه بالمعنى مع زيادة ما . والتبين طلب بيان الامر . وقرأ حمزة والكسائي ( فتثبتوا ) في الموضعين من التثبت في لامر وهو التأني واجتناب العجلة . وقرأ نافع وابن عامر وحمزة ( السلم ) بغير ألف وهو كالسلم بكسر السين ضد الحرب ، وبه فسر بعضهم قراءة الباقين ( السّلام ) بالسلم وهو معناه الأصلي والضرب في الأرض ضربها بالأرجل في السفر أما قوله تعالى كَذلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ ففيه وجهان أحدها انكم كنتم كذلك تستخفون بدينكم كما استخفى بدينه من قومه هذا الذي ألقى إليكم السّلام فقتلتموه إلى أن لحق بكم ، أي فإنه ما بقي يخفي الاسلام بينهم ، الا خوفا على نفسه منهم ، وكذلك كان السابقون الأولون وهم خيار المؤمنين يخفون إسلامهم حتى أسلم عمر فأظهر إسلامه وحملهم على اظهار اسلامهم ثم كان من بعدهم إذا اسلم يخفي اسلامه حتى يتيسر له الهجرة إلى النبي ( ص ) . فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ بالهجرة والقوة حتى اظهرتم الاسلام ونصرتموه . والوجه الثاني انكم كذلك كنتم كفارا مثل من قتلتم بتهمة الكفر فمنّ اللّه عليكم بالهداية إلى الاسلام فمنكم من اسلم لظهور حقية الاسلام له من أول وهلة ومنكم من اسلم تقية أو لسبب آخر ثم حسن اسلامه عندما خبر الاسلام وعرف محاسنه