الشيخ محمد رشيد رضا
33
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الربيبة وهي بنت الزوجة ، وأمها أولى بالتحريم لان زوجة الرجل شقيقة روحه بل مقومة ماهيته الانسانية ومتممتها فينبغي أن تكون أمها بمنزلة أمه في الاحترام ، ويقبح جدا أن تكون ضرة لها فان لحمة المصاهرة كلحمة النسب فإذا تزوج الرجل من عشيرة صار كأحد أفرادها وتجددت في نفسه عاطفة مودة جديدة لهم فهل يجوز أن يكون سببا للتغاير والضرار بين الأم وبنتها ؟ كلا ان ذلك ينافي حكمة المصاهرة والقرابة ، ويكون سبب فساد العشيرة ، فالموافق للفطرة الذي تقوم به المصلحة ، هو أن تكون أم الزوجة كأم الزوج وبنتها التي في حجره ، كبنته من صلبه ، وكذلك ينبغي أن تكون زوجة ابنه بمنزلة ابنه ، يوجه إليها العاطفة التي يجدها لبنته ، كما ينزل الابن امرأة أبيه منزلة أمه ، وإذا كان من رحمة اللّه وحكمته أن حرم الجمع بين الأختين وما في معناهما لتكون المصاهرة لحمة مودة ، غير مشوبة بسبب من أسباب الضرار والنفرة ، فكيف يعقل ان يبيح نكاح من هي أقرب إلى الزوجة كأمها أو بنتها أو زوجة الوالد للولد وزوجة الولد للوالد ؟ وقد بين لنا أن حكمة الزواج هي سكون نفس كل من الزوجين إلى الآخر والمودة والرحمة بينهما وبين من يلتحم معهما بلحمة النسب فقال ( 30 : 21 وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ) فقيد سكون النفس الخاص بالزوجية ولم يقيد المودة والرحمة لأنها تكون بين الزوجين ومن يلتحم معهما بلحمة النسب ، وتزداد وتقوى بالولد ، كما بينا ذلك بالاسهاب في مقالات ( الحياة الزوجية ) التي نشرناها في المجلد الثامن من المنار فهذا ما فتح اللّه به علينا في بيان المراد من قوله تعالى « يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ » من حيث إنه لم يذكر معمول « ليبين » لنلتمسه من سنن الفطرة بمعونة ارشادنا إلى كون ديننا دين الفطرة بقوله ( 30 : 30 فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ) فقد جاءت هذه الآية بعد آية الزوجية بثمان آيات . وقال تعالى ( 51 : 20 وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ ( 21 ) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ ) وقد هدانا بذلك جلت حكمته إلى الاستقلال في