الشيخ محمد رشيد رضا

347

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

كل من يجدونه في دار الكفر كافرا وان يتبينوا فيمن تظهر منهم علامات الاسلام كالشهادة أو السّلام الذي هو تحية المؤمنين وعلامة الامن والاستئمان ، وان لا يحملوا مثل هذا على المخادعة إذ ربما يكون الايمان قد طاف على هذه القلوب وألمّ بها ان لم يكن تمكن فيها ، وقد أفادت الآية ان ما سبق من قتل من ألقى السّلام لشبهة التقية قد مضى على أنه من قتل الخطأ وأن اللّه تعالى أراد بإنزالها ان يعد ما يقع منه بعد نزولها من قتل العمد لأنه أمر فيها بالتثبت ونهى عن إنكار إسلام من يدعي الاسلام ولو بإلقاء تحيته فكيف بمن ينطق بالشهادتين . ثم ذكر ما من شأنه ان يقوي الشبهة في نفس من يظن أن اظهار الاسلام لأجل التقية وهو ابتغاء عرض الحياة الدنيا . فهدى المؤمن بهذا إلى أن يتهم نفسه ويفتش عن قلبه ولا يبني الظن على ميله وهواه ، بل أوجب عليه ان يبني على الظاهر ويقبله حتى يتبين له خلافه اه أقول ويزداد على هذا ان إلقاء السّلام قد يكون إلقاء للسلم وايذانا بعدم الحرب ، وقرئ في المتواتر ( السلم ) كما يأتي قريبا وقد علم من الآيات السابقة في هذا السياق نفسه النهي عن قتل الذين يعتزلون القتال ويكفون أيديهم عنه ويلقون السلم إلى المؤمنين فليس الاسلام وحده هو المانع من القتل ، إذ ليس الكفر وحده هو الموجب له . وانما كان الكفار هم الذين بدأوا المسلمين بالحرب وما كان القتال في زمن النبي ( ص ) الا دفاعا حتى في الغزوات التي صورتها صورة المهاجمة وما هي الا مهاجمة قوم حرب يدعون إلى السلم فلا يجيبون ، وما رضوا بالسلم مرة وأباها النبي ( ص ) حتى في صلح الحديبية التي ثقلت فيها شروط المشركين على المؤمنين ، وكيف يأباها واللّه تعالى يقول له ( 8 : 62 وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ) وقد أشار شيخ المفسرين ابن جرير الطبري إلى هذا فاشترط فيمن يباح قتله ان يكون حربا للمسلمين ، واننا نذكر عبارته في ذلك وعليها نعتمد في جل تفسير الآية قال يعني جل ثناؤه بقوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا يا أيها الذين صدقوا اللّه وصدقوا رسوله فيما جاءهم به من عند ربهم إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إذا سرتم مسيرا