الشيخ محمد رشيد رضا
32
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
أرض أخري وزرع في هذه الأرض نوع آخر من الحب لنماكل منهما . بل ثبت عند الزراع ان اختلاف الصنف من النوع الواحد من أنواع البذار يفيد فإذا زرعوا حنطة في ارض وأخذوا بذرا من غلتها فزرعوه في تلك الأرض يكون نموه ضعيفا وغلته قليلة وإذا أخذوا البذر من حنطة أخرى وزرعوه في تلك الأرض نفسها يكون أنمى وأزكى . كذلك النساء حرث كالأرض يزرع فيهن الولد وطوائف الناس كأنواع البذار وأصنافه فينبغي ان يتزوج افراد كل عشيرة من أخرى ليزكو الولد وينجب فان الولد يرث من مزاج أبويه ومادة أجسادهما ويرث من أخلاقهما وصفاتهما الروحية ويباينهما في شيء من ذلك ، فالتوارث والتباين سنتان من سنن الخليقة ينبغي أن تأخذ كل واحدة منهما حظها لأجل ان ترتقي السلائل البشرية ويتقارب الناس بعضهم من بعض ، ويستمد بعضهم القوة والاستعداد من بعض ، والتزوج من الأقربين ينافي ذلك - فثبت بما تقدم كله انه ضار بدنا ونفسا ، مناف للفطرة مخل بالروابط الاجتماعية عائق لارتقاء البشر . وقد ذكر الغزالي في الاحياء أن من الخصال التي تطلب مراعاتها في المرأة ان لا تكون من القرابة القريبة ، قال فان الولد يخلق ضاويا أي نحيفا وأورد في ذلك حديثا لا يصح . ولكن روى إبراهيم الحربي في غريب الحديث أن عمر قال لآل السائب : « اغتربوا لا تضووا » أي تزوجوا الغرائب لئلا تجيء أولادكم نحافا ضعافا . وعلل الغزالي ذلك بقوله : ان الشهوة إنما تنبعث بقوة الاحساس بالنظر أو اللمس وانما يقوى الاحساس بالامر الغريب الجديد فاما المعهود الذي دام النظر اليه فإنه يضعف الحس عن تمام ادراكه والتأثر به ولا تنبعث به الشهوة . اه وتعليله لا ينطبق على كل صورة والعمدة ما قلناه وأما حكمة التحريم بالرضاعة فقد بيناها في تفسير « وَأَخَواتُكُمْ مِنَ الرَّضاعَةِ » ويزيده ما قلناه آنفا في حكمة محرمات النسب تبيانا فمن رحمته تعالى بنا أن وسع لنا دائرة القرابة بالحاق الرضاع بها وقد ذكرنا ان بعض بدن الرضيع يتكوّن من لبن المرضع وفاتنا ان نذكر هناك انه بذلك يرث منها كما يرث ولدها الذي ولدته وأشرنا أيضا إلى حكمة تحريم محرمات المصاهرة بما ذكرناه في حكمة تحريم