الشيخ محمد رشيد رضا
31
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
صاحب الفطرة السقيمة الا ان عاطفة هذا تكون كفطرته في سقمها ، نعم ان عطف الرجل على بنته يكون أقوى لكونها بضعة منه نمت وترعرعت بعنايته ورعايته ، وانسه بأخيه وأخته يكون أقوى من أنسه ببناتهما لما تقدم . وأما الفرق بين العمات والخالات ، وبين بنات الاخوة والأخوات ، فهو ان الحب لهؤلاء حب عطف وحنان ، والحب لأولئك حب تكريم واحترام ، فهما من حيث البعد عن مواقع الشهوة متكافئان ، وانما قدم في النظم الكريم ذكر العمات والخالات ، لان الإدلاء بهما من الآباء والأمهات ، فصلتهما أشرف وأعلى من صلة الاخوة والأخوات ، هذه هي أنواع القرابة القريبة التي يتراحم الناس بها ويتعاطفون ، ويتوادون ويتعاونون ، بما جعل اللّه لها في النفوس من الحب والحنان ، والعطف والاحترام ، فحرم اللّه فيها النكاح لأجل ان تتوجه عاطفة الزوجية ومحبتها إلى من ضعفت الصلة الطبيعية أو النسبية بينهم كالغرباء والأجانب ، والطبقات البعيدة من سلالة الأقارب ، كأولاد الأعمام والعمات ، والأخوال والخالات ، وبذلك تتجدد بين البشر قرابة الصهر ، التي تكون في المودة والرحمة كقرابة النسب ، فتتسع دائرة المحبة والرحمة بين الناس ، فهذه حكمة الشرع الروحية في محرمات القرابة ثم أقول إن هنالك حكمة جسدية حيوية عظيمة جدا وهي ان تزوج الأقارب بعضهم ببعض يكون سببا لضعف النسل فإذا تسلسلت واستمرت يتسلسل الضعف والضوى فيه إلى أن ينقطع . ولذلك سببان أحدهما وهو الذي أشار اليه الفقهاء أن قوة النسل تكون على قدر قوة داعية التناسل في الزوجين وهي الشهوة وقد قالوا إنها تكون ضعيفة بين الأقارب ، وجعلوا ذلك علة لكراهة تزوج بنات العم وبنات العمة الخ وسبب ذلك ان هذه الشهوة شعور في النفس يزاحمه شعور عواطف القرابة المضادّ له فاما ان يزيله واما أن يزلزله ويضعفه كما علم مما بيناه آنفا والسبب الثاني يعرفه الأطباء وانما يظهر للعامة بمثال تقريبي معروف عند الفلاحين وهو أن الأرض التي يتكرر زرع نوع واحد من الحبوب فيها يضعف هذا الزرع فيها مرة بعد أخرى إلى أن ينقطع لقلة المواد التي هي قوام غذائه وكثرة المواد الأخرى التي لا يتغذى منها ومزاحمتها لغذائه أن يخلص له ، ولو زرع ذلك الحب في