الشيخ محمد رشيد رضا
327
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
عَلَيْهِمْ سَبِيلًا أي فان اعتزلكم أولئك الذين يمتون إليكم بإحدى تينك الطريقتين فلم يقاتلوكم ، وألقوا إليكم السلم أي اعطوكم زمام أمرهم في المسالمة بحيث وثقتم بها وثوق المرء بما يلقى اليه ، فما جعل اللّه لكم طريقا تسلكونها إلى الاعتداء عليهم ، فان أصل شرعه الذي هداكم اليه ان لا تقاتلوا الا من يقاتلكم ، ولا تعتدوا الا على من اعتدى عليكم وفي الآية من الاحكام ( على قول من قالوا إنهم كانوا مسلمين أو مظهرين للاسلام ثم ارتدوا ) أن المرتدين لا يقتلون إذا كانوا مسالمين لا يقاتلون ، ولا يوجد في القرآن نص بقتل المرتد فيجعل ناسخا لقوله « فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ » الخ نعم ثبت في الحديث الصحيح الامر بقتل من بدل دينه وعليه الجمهور ، وفي نسخ القرآن بالسنة الخلاف المشهور . ويؤيد الحديث عمل الصحابة . وقد يقال إن قتالهم للمرتدين في أول خلافة أبي بكر كان بالاجتهاد فإنهم قاتلوا من تركوا الدين بالمرة كطي وأسد ، وقاتلوا من منع الزكاة من تميم وهوازن . لأن الذين ارتدوا صاروا إلى عادة الجاهلية حربا لكل أحد لم يعاهدوه على ترك الحرب . والذين منعوا الزكاة كانوا مفرقين لجماعة الاسلام ناثرين لنظامهم ، والرجل الواحد إذا منع الزكاة لا يقتل عند الجمهور أما قول من قال : المراد بالمنافقين هنا العرنيون . ففيه أن قتل العرنيين كان لمخادعتهم وغدرهم وقتلهم راعي الإبل التي أعطاهم النبي ( ص ) وتمثيلهم به . على أن هذا القول واه جدا لأن العرنيين لا يأتي فيهم التفصيل الذي في الآيات ، ولكن من هم هؤلاء ؟ روى ابن أبي حاتم وابن مردويه عن الحسن ان سراقة بن مالك المدلجي حدثهم قال لما ظهر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على أهل بدر وأحد واسلم من حولهم قال سراقة بلغني انه عليه الصلاة والسّلام يريد ان يبعث خالد بن الوليد إلى قومي من بني مدلج فأتيته فقلت أنشدك النعمة ، فقالوا مه ، فقال « دعوه ، ما تريد ؟ » قلت بلغني انك تريد ان تبعث إلى قومي وأنا أريد ان توادعهم فان اسلم قومك اسلموا ودخلوا في الاسلام وان لم يسلموا لم تخش بقلوب قومك عليهم . فأخذ رسول اللّه ( ص ) بيد خالد فقال « اذهب معه فافعل ما يريد » فصالحهم خالد على أن لا يعينوا