الشيخ محمد رشيد رضا
326
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وشدة حرصهم على ارتداد المسلمين كفارا مثلهم ، واذن بقتلهم أينما وجدوا لأنهم يغدرون بالمسلمين فيوهمونهم انهم معهم ، ويقتلونهم إذا ظفروا بهم ، واستثنى منهم من تؤمن غائلتهم بأحد أمرين : أحدهما ان يصلوا وينتهوا إلى قوم معاهدين للمسلمين فيدخلوا في عهدهم ويرضوا بحكمهم ، فيمتنع قتالهم مثلهم ، وثانيهما أن يجيئوا المسلمين مسالمين لا يقاتلونهم ولا يقاتلون قومهم معهم بل يكونون على الحياد وهذا هو قوله تعالى أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ أي جاؤكم قد ضاقت صدورهم عن قتالكم وعن قتال قومهم فلا تنشرح لأحد الامرين . ولا يظهر هذا ظهورا بينا لا تكلف فيه الا على قول الأستاذ الامام ان نفاقهم كان بالولاء ، فهم لا يقاتلون المسلمين حفظا للعهد ولا يقاتلون قومهم لأنهم قومهم . وقبول عذر الفريقين موافق للأصل الذي تقدم في سورة البقرة ( وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا ) فياللّه ما أعدل القرآن ، وما أكرم أصول الاسلام ، ولما كان الكف عن هؤلاء مما قد يثقل على المسلمين لما جرت عليه عادة العرب من الشدة في أمر المعاهدين والمحالفين وتكليفهم قتال كل أحد يقاتل محالفيهم ولو كانوا من الأهل والأقربين قال تعالى مخففا ذلك عنهم ومؤكدا أمر منع قتال المسالمين وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقاتَلُوكُمْ أي ان من رحمته تعالى بكم أن كف عنكم بأس هاتين الفئتين وصرفهم عن قتالكم ولو شاء ان يسلطهم عليكم لسلطهم فلقاتلوكم ، وذلك بأن يسوق إليهم من الاخبار ويلهمهم من الآراء ما يرجحون به ذلك . ولكنه بتوفيقه ونظامه في الأسباب والمسببات ، وسننه في الافراد وحال الاجتماع ، جعل الناس في ذلك العصر أزواجا ثلاثة : ( 1 ) السليمو الفطرة الأقوياء الاستقلال وهم الذين سارعوا إلى الايمان - ( 2 ) المتوسطون وهم الذين رجحوا مسالمة المسلمين فلم يكونوا معهم من أول وهلة ولا أشداء عليهم - ( 3 ) الموغلون في الضلال والشرك والراسخون في التقليد والمحافظة على القديم وهم المحاربون . وإذا كان وجود هؤلاء المسالمين بمشيئته الموافقة لحكمه وسننه فلا يثقل عليكم اتباع أمره بترك قتالهم فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ