الشيخ محمد رشيد رضا
325
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
واما المنافقون في الولاء فالامر بقتالهم اظهر فقد كانوا يعاهدون فيفي لهم المسلمون وهم يغدرون ، ويستقيم المسلمون على عهدهم وهم ينكثون ، ولم يأمرهم اللّه تعالى بمعاملتهم بما يستحقون الا بعد تكرار ذلك منهم ، لأنه تعالى جعل الوفاء من صفات المؤمنين بمثل قوله ( 13 : 22 الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ ) واكد حفظ ميثاقهم حتى أنه حرم نصر المؤمنين غير الذين مع رسوله عليهم بقوله ( 8 : 72 وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا ، وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ ) وقد بين أحكامهم وأحكام أمثالهم مفصلة هنا وفي أول سورة التوبة وهي صريحة في علة الامر بقتالهم وهي غدرهم وتصديهم لقتال المسلمين ، وقد جعل هذه العلة من قبيل الضرورة تقدر بقدرها ، ولذلك عقب نهيه عن اتخاذ ولي أو نصير منهم بقوله * * * إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ الخ ذهب أبو مسلم إلى أن هذا استثناء من المؤمنين الذين لم يهاجروا قال كما نقل عنه الرازي : لما أوجب اللّه الهجرة على كل من اسلم استثنى من له عذر « فقال الا الذين يصلون » وهم قوم من المؤمنين قصدوا الرسول للهجرة والنصرة الا انه كان في طريقهم من الكفار من يخافونه فصاروا إلى قوم بينهم وبين المسلمين عهد وميثاق وأقاموا عندهم ينتهزون الفرصة لإمكان الهجرة ، واستثنى أيضا من صاروا إلى الرسول والمؤمنين ولكن لا يقاتلون المسلمين ولا يقاتلون الكفار معهم لأنهم أقاربهم أو لأنهم تركوا فيهم أولادهم وأزواجهم فيخافون ان يفتكوا بهم إذا هم قاتلوا مع المسلمين . وقد ابعد أبو مسلم في هذا إذ لا يظهر معنى لنفي قتال المسلمين للنبي ومن معه ، ولا لامتنان اللّه تعالى عليهم بأنه لم يسلطهم عليهم وذهب الجمهور إلى أن الذين استثناهم اللّه تعالى هم من الكفار وكانوا كلهم حربا للمؤمنين يقتلون كل مسلم ظفروا به إذا لم يمنعه أحد فشرع اللّه للمؤمنين معاملتهم بمثل ذلك وان يقتلوهم حيث وجدوهم الا من استثنى . وهذا يؤيد رأي الأستاذ في نفاقهم ونقول إن الكلام في المنافقين الذين في دار الشرك لا في دار الهجرة سواء كان نفاقهم بدعوى الاسلام أو بالولاء والعهد ، وقد أركسهم اللّه وأظهر نفاقهم