الشيخ محمد رشيد رضا

324

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ما وجدوا عليه آباءهم من الثقة بزعماء عصرهم ولو كان آباؤهم وزعماؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون ، ومن قطع على نفسه طريق النظر ، وكفر نعمة العقل ، لا يمكن إقامة الحجة عليه ، ولذلك قال تعالى « وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا » فان « سَبِيلًا » نكرة في سياق النفي تفيد العموم كأنه قال من ترك سبيل اللّه وهي اتباع الفطرة باستعمال العقل كان من سنة اللّه ان يكون ضالا طول حياته إذ لا تجد له سبيلا أخرى يسلكها فيهتدي بها إلى الحق * * * وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَواءً اي ان هؤلاء المنافقين الذين ترجون نصرهم لكم وتطمعون في هدايتهم ، ليسوا من الكفار القانعين بكفرهم ، الغافلين عن غيرهم ، بل هم يودون لو تكفرون ككفرهم وتكونون مثلهم سواء ، ويقضى على الاسلام الذي أنتم عليه ويزول من الأرض ، فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِياءَ حَتَّى يُهاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اي فلا تتخذوا منهم أنصارا لينصروكم على المشركين حتى يهاجروا إليكم ويتحدوا بكم ، لان المؤمن الصادق لا يدع النبي ومن معه من المؤمنين عرضة للخطر ولا يهاجر إليهم لينصرهم الا للعجز . فترك الهجرة مع القدرة عليها دليل على نفاق أولئك المختلف فيهم . والأستاذ الامام يقدر هنا « حتى يؤمنوا ويهاجروا » وكانت الهجرة لازمة للايمان لزوما بينا مطردا فلذلك استغني بذكرها عن ذكره إيجازا . ومن جعل الآيات في المنافقين في الدين من أهل المدينة وما حولها جعل المهاجرة هنا من باب حديث « والمهاجر من هجر ما نهى اللّه عنه » وهو بعيد جدا . ومعنى الحديث ان المهاجر الكامل من كان كذلك . ويرد ما قالوه كما سبق التنبيه اليه قوله تعالى فَإِنْ تَوَلَّوْا اي اعرضوا عن الايمان والهجرة فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً ولا يجوز بحال أن يكون المراد أن الذين لا يهجرون ما نهى اللّه عنه يقتلون حيث وجدوا . وما سمعنا ان النبي ( ص ) قتل أحدا من المنافقين في الايمان بذنبه بل كان بهم الرجل من أصحابه بقتل المنافق فيمنعه وان ظهر المقتضي لئلا يقال إن محمدا يقتل أصحابه . ولا يظهر هذا التعليل في أولئك المنافقين الذين كانوا بمكة ينصرون المشركين ،