الشيخ محمد رشيد رضا
323
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
العاملين ، أو معنى أركسهم أظهر ركسهم بما بينه من أمرهم وهذا هو معنى قوله أَ تُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ ؟ وهو استفهام انكاري معناه ليس في استطاعتكم أن تغيروا سنن اللّه في نفوس الناس ، فتنالوا منها ضد ما يقتضيه ما انطبع فيها من الاخلاق والصفات ، بتأثير ما كسبته طول عمرها من الاعمال ، وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ أي من تقضي سنته تعالى في خلقه بأن يكون ضالا عن طريق الحق فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا يصل بسلوكها اليه فان للحق سبيلا واحدة وهي صراط الفطرة المستقيم ، وللباطل سبلا كثيرة عن يمين سبيل الحق وشمالها كل من سلك سبيلا منها بعد عن سبيل الحق بقدر إيغاله في السبيل التي سلكها ( 6 : 153 وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ) ولما تلا النبي ( ص ) هذه الآية وضح معناها بالخطوط الحسية فخط في الأرض خطا جعله مثالا لسبيل اللّه وخط على جانبيه خطوطا لسبل الشيطان ، ومن المحسوس الذي لا يحتاج إلى ترتيب الا قيسة للاستدلال أن غاية اي خط من تلك الخطوط لا تلتقي بغاية الخط الأول قلت إن سبيل الحق هي صراط الفطرة ، وبيان هذا ان مقتضى الفطرة ان يستعمل الانسان عقله في كل ما يعرض له في حياته ويتبع فيه ما يظهر له بعد النظر والبحث انه الحق الذي باتباعه خيره ومنفعته العاجلة والآجلة وكماله الانساني ، على قدر علمه بالحق والخير والكمال ، ومن مقتضى الفطرة ان يبحث الانسان دائما ويطلب زيادة العلم بهذه الأمور ، ولا يصده عن هذا الصراط المستقيم شيء كالتقليد والغرور بما هو عليه وظنه أنه ليس وراءه خير له منه وأنفع وأكمل ، أولئك الذين يقطعون على أنفسهم طريق العقل والنظر ، والتمييز بين الخير والشر ، والنفع والضر ، والحق والباطل ، فيكونون أتباع كل ناعق ، ويسلكون ما لا يحصى من السبل وإن ادعى كل منهم الانتساب إلى زعيم واحد ، وشبهتهم على ترك صراط الفطرة ان عقولهم قاصرة عن التمييز بين الحق والباطل والخير والشر ، وانهم اتبعوا من بلغهم من آبائهم ومعاشريهم أنهم كانوا أقدر منهم على معرفة ذلك وبيانه ، والحق الواقع انهم لا يعلمون حقيقة ما كان عليه أولئك الزعماء ولا شيئا يعتد به من علمهم ، وانما يتبعون