الشيخ محمد رشيد رضا

320

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

لذلك ؟ ! فكانوا كذلك فئتين والرسول عليه السّلام عندهم لا ينهى واحدا من الفريقين عن شيء فنزلت . وذكر الآية . وهذا لا يدل على أن أولئك القوم قد اسلموا بالفعل كما توهمه عبارة بعض الناقلين . وروى ابن جرير عن معمر بن راشد قال بلغني أن ناسا من أهل مكة كتبوا إلى النبي ( ص ) انهم قد أسلموا وكان ذلك منهم كذبا ، فلقوهم فاختلف فيهم المسلمون فقالت طائفة دماؤهم حلال ، وقالت طائفة دماؤهم حرام ، فانزل اللّه الآية وروى أيضا عن الضحاك قال هم ناس تخلفوا عن نبي اللّه ( ص ) وأقاموا بمكة وأعلنوا الايمان ولم يهاجروا فاختلف فيهم أصحاب رسول اللّه ( ص ) فتولاهم ناس وتبرأ من ولايتهم آخرون ، وقالوا تخلفوا عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ولم يهاجروا فسماهم اللّه منافقين وبرأ المؤمنين من ولايتهم وامرهم ان لا يتولوهم حتى يهاجروا ثم ذكر ابن جرير روايات من قال إنها نزلت في منافقين كانوا في المدينة وأرادوا الخروج منها معتذرين بالمرض والتخمة ومن قال إنها نزلت في أهل الافك ثم رجح قول من قالوا إنها نزلت في قوم من مكة ارتدوا عن الاسلام بعد اسلامهم لذكر الهجرة في الآية ومن المعهود انهم يجمعون بين الروايات في مثل هذا بتعدد الوقائع ونزول الآية عقبها ، ولا يمنعهم من هذا ان يكون بين الوقائع تراخ وزمن طويل ، وأقرب من ذلك ان يحملها كل على واقعة برى انها تنطبق عليها من باب التفسير لا التاريخ ، ولكن من الروايات ما يكون نصا أو ظاهرا في التاريخ وتعيين الواقعة ، الا أن تكون الرواية منقولة بالمعنى كما هو الغالب وحينئذ تكون الرواية في سبب النزول ليست أكثر من فهم للمروي عنه في الآية ورأي في تفسيرها يخطئ فيه ويصيب ، ولا يلزم أحدا ان يتبعه فيه ، بل لمن ظهر له خطؤه ان يرده عليه ولا سيما إذا كان ما يتبادر من معنى الآيات يأباه . وقد رأيت أن بعضهم رد رواية الصحيحين في جعل المراد بالمنافقين هنا فئة عبد اللّه بن أبي بن سلول الذين رجعوا عن القتال في أحد واستدلوا بما رأيت من ذكر المهاجرة في الآية الثانية ، ويمكن تأويل هذا