الشيخ محمد رشيد رضا

30

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

وأما الاخوة والأخوات فالصلة بينهما تشبه الصلة بين الوالدين والأولاد من حيث إنهم كأعضاء الجسم الواحد فان الأخ والأخت من أصل واحد يستويان في النسبة إليه من غير تفاوت بينهما ثم إنهما ينشئان في حجر واحد على طريقة واحدة في الغالب ، وعاطفة الاخوة بينهما متكافئة ليست أقوى في أحدهما منها في الآخر كقوة عاطفة الأمومة والأبوة على عاطفة البنوّة فلهذه الأسباب يكون انس أحدهما بالآخر أنس مساواة لا يضاهيه أنس آخر إذ لا يوجد بين البشر صلة أخرى فيها هذا النوع من المساواة الكاملة ، وعواطف الود والثقة المتبادلة ، ويحكى ان امرأة شفعت عند الحجاج في زوجها وابنها وأخيها وكان يريد قتلهم فشفعها في واحد مبهم منهم وأمرها ان تختار من يبقى فاختارت أخاها فسألها عن سبب ذلك فقالت إن الأخ لا عوض عنه وقد مات الوالدان وأما الزوج والولد فيمكن الاعتياض عنهما بمثلهما . فأعجبه هذا الجواب وعفا عن الثلاثة وقال لو اختارت الزوج لما أبقيت لها أحدا . وجملة القول إن صلة الاخوة صلة فطرية قوية وان الاخوة والأخوات لا يشتهي بعضهم التمتع ببعض لأن عاطفة الاخوة تكون هي المستولية على النفس بحيث لا يبقى لسواها معها موضع ما سلمت الفطرة فقضت حكمة الشريعة بتحريم نكاح الأخت حتى لا يكون لمعتلي الفطرة منفذ لاستبدال داعية الشهوة بعاطفة الاخوة واما العمات والخالات فهن من طينة الأب والام وفي الحديث « عم الرجل صنو أبيه » اي هما كالصنوان يخرجان من أصل النخلة وتقدم هذا في تفسير ( 2 : 133 أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ ) فعدوا إسماعيل من آبائه لأنه أخ لإسحاق فكأنه هو . ولهذا المعنى الذي كانت به صلة العمومة من صلة الأبوة وصلة الخؤولة من صلة الأمومة - قالوا إن تحريم الجدات مندرج في تحريم الأمهات وداخل فيه ، فكان من محاسن دين الفطرة المحافظة على عاطفة صلة العمومة والخؤولة والتراحم والتعاون بها وان لا تنزو الشهوة عليها وذلك بتحريم نكاح العمات والخالات وأما بنات الأخ وبنات الأخت فهما من الانسان بمنزلة بناته من حيث إن أخاه وأخته كنفسه وصاحب الفطرة السليمة يجد لهما هذه العاطفة من نفسه وكذا