الشيخ محمد رشيد رضا
314
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
هذه لمعة مما روي عن السلف ثم جاء الخلف فاختلفوا في السّلام على غير المسلم فقال كثيرون انهم لا يبدءون بالسلام لحديث ورد في ذلك وحملوا ما روي عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما على الحاجة أي لا يسلم عليهم ابتداء الا لحاجة . وأما الرد فقال بعض الفقهاء انه واجب كردّ سلام المسلم وقال بعضهم انه سنة وفي الخانية من كتب الحنفية : ولو سلم يهودي أو نصراني أو مجوسي فلا بأس بالردّ . وهذا يدل على أنه مباح عند هذا القائل لا واجب ولا مسنون مع أن السنة وردت به في الصحيح أما ما ورد من حق المسلم على المسلم فلا ينافي حق غيره فالسلام حق عام ويراد به أمران مطلق التحية وتأمين من تسلم عليه من الغدر والإيذاء وكل ما يسيء وقد روى الطبراني والبيهقي من حديث أبي أمامة : « ان اللّه تعالى جعل السّلام تحية لامتنا وأمانا لأهل ذمتنا » . وأكثر الأحاديث التي وردت في السّلام عامة وذكر في بعضها المسلم كما ذكر في بعضها غيره كحديث الطبراني المذكور آنفا أما جعل تحية الاسلام عامة فعندي أن ذلك مطلوب وقد ورد في الأحاديث الصحيحة أن اليهود كانوا يسلمون على المسلمين فيردون عليهم فكان من تحريفهم ما كان سببا لامر النبي صلّى اللّه تعالى عليه والسلم بأمر المسلمين أن يردوا عليهم بلفظ « وعليكم » حتى لا يكونوا مخدوعين للمحرفين . ومن مقتضى القواعد أن الشيء يزول بزوال سببه . ولم يرد أن أحدا من الصحابة نهى اليهود عن السّلام ، لأنهم لم يكونوا ليحظروا على الناس آداب الاسلام ، ولكن خلف من بعدهم خلف أرادوا أن يمنعوا غير المسلم من كل شيء يعمله المسلم حتى من النظر في القرآن وقراءة الكتب المشتملة على آياته وظنوا أن هذا تعظيم للدين ، وصون له عن المخالفين ، وكلما زادوا بعدا عن حقيقة الاسلام زادوا إيغالا في هذا الضرب من التعظيم ، وإنهم ليشاهدون النصارى في هذا العصر يجتهدون بنشر دينهم ويوزعون كثيرا من كتبه على الناس مجانا ويعلمون أولاد المخالفين لهم في مدارسهم ليقربوهم من دينهم ويجتهدون في تحويل الناس إلى عاداتهم وشعائرهم ليقربوا من دينهم حتى أن الاوربيين فرحوا فرحا شديدا عندما وافقهم خديو مصر ( إسماعيل باشا ) على استبدال التاريخ المسيحي بالتاريخ الهجري وعدوا هذا من آيات الفتح . ونرى القوم الآن