الشيخ محمد رشيد رضا
29
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وقد حذف مفعول ليبين لتتوجه العقول السليمة ، إلى استخراجه من ثنايا الفطرة القويمة ، وقد أشار الأستاذ الامام إلى بعض الحكم في تحريم تلك المحرمات عقب سردها ورأينا أن نؤخر ذكرها فنجعله في هذا الموضع ليكون بيانا لما وجهت اليه النفوس هنا بحذف المفعول ، وانما كتبنا عنه في مذكرتنا بيان عاطفة الأب السائقة إلى تربية ولده وهي تذكر بغيرها من مراتب صلات القرابة واننا نذكر ما يتعلق بهذا المقام بالايجاز ، ومحل الاسهاب فيه كتب الاخلاق ان اللّه تعالى جعل بين الناس ضروبا من الصلة يتراحمون بها ويتعاونون على دفع المضار وجلب المنافع ، وأقوى هذه الصلات صلة القرابة وصلة الصهر ، ولكل واحدة من هاتين الصلتين درجات متفاوتة ، فأما صلة القرابة فأقواها ما يكون بين الأولاد والوالدين من العاطفة والاريحية ، فمن اكتنه السر في عطف الأب على ولده يجد في نفسه داعية فطرية تدفعه إلى العناية بتربيته إلى أن يكون رجلا مثله ، فهو ينظر اليه كنظره إلى بعض أعضائه ، ويعتمد عليه في مستقبل أيامه ، ويجد في نفس الولد شعورا بأن أباه كان منشأ وجوده وممد حياته ، وقوام تأديبه وعنوان شرفه ، وبهذا الشعور يحترم الابن أباه ، وبتلك الرحمة والاريحية يعطف الأب على ابنه ويساعده ، هذا ما قاله الأستاذ ولا يخفى على انسان ان عاطفة الأم الوالدية أقوى من عاطفة الأب ، ورحمتها أشد من رحمته ، وحنانها أرسخ من حنانه ، لأنها أرق قلبا وأدق شعورا ، وان الولد يتكوّن جنينا من دمها الذي هو قوام حياتها ، ثم يكون طفلا يتغذى من لبنها ، فيكون له مع كل مصة من ثديها ، عاطفة جديدة يستلها من قبلها ، والطفل لا يحب أحدا في الدنيا قبل أمه ، ثم إنه يحب أباه ولكن دون حبه لأمه ، وان كان يحترمه أشد مما يحترمها ، أفليس من الجناية على الفطرة أن يزاحم هذا الحب العظيم بين الوالدين والأولاد حب استمتاع الشهوة فيزحمه ويفسده وهو خير ما في هذه الحياة ؟ بلى ، ولأجل هذا كان تحريم نكاح الأمهات هو الأشد المقدم في الآية ويليه تحريم البنات ، ولولا ما عهد في الانسان من الجناية على الفطرة والعبث بها والافساد فيها لكان لسليم الفطرة أن يتعجب من تحريم الأمهات والبنات ، لأن فطرته نشعر بأن النزوع إلى ذلك من قبيل المستحيلات ،