الشيخ محمد رشيد رضا
300
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
تكون شورى بينهم . فإذا كان مثل هذا لا يستنبطه الا بعض أولي الامر دون بعض فكيف يصح ان يجعل شرعا بين العامة يذيعون به ؟ والوجه الثاني ان المستنبطين هم بعض الذين يردون الامر إلى الرسول وإلى أولي الامر منهم أي لو ردوا ذلك الامر إليهم وطلبوا العلم به من ناحيتهم لعلمه من يقدر ان يستفيد العلم به من الرسول ومن أولي الامر منهم ، فان الرسول وأولي الامر هم العارفون به ، وما كل من يرجع إليهم فيه يقدر ان يستنبط من معرفتهم ما يحب ان يعرف ، بل ذلك مما يقدر عليه بعض الناس دون بعض والمختار الوجه الأول فالواجب على الجميع تفويض ذلك إلى الرسول وإلى أولي الامر في زمنه ( ص ) وإليهم دون غيرهم من بعده لان جميع المصالح العامة توكل إليهم ومن أمكنه ان يعلم بهذا التفويض شيئا يستنبطه منهم فليقف عنده ، ولا يتعده ، فان مثل هذا من حقهم ، والناس فيه تبع لهم ، ولذلك وجبت فيه طاعتهم ، لا غضاضة في هذا على فرد من أفراد المسلمين ، ولا خدشا لحريته واستقلاله ، ولا نيلا من عزة نفسه ، فحسبه انه حر مستقل في خويصة نفسه ، لم يكلف ان يقلد أحدا في عقيدته ولا في عبادته ، ولا غير ذلك من شؤونه الخاصة به ، وليس من الحكمة ولا من العدل ولا المصلحة أن يسمح له بالتصرف في شؤون الأمة ومصالحها ، وان يفتات عليها في أمورها العامة ، وإنما الحكمة والعدل في أن تكون الأمة في مجموعها حرة مستقلة في شؤونها كالافراد في خاصة أنفسهم ، فلا يتصرف في هذه الشؤون العامة الا من تثق بهم من أهل الحل والعقد ، المعبر عنهم في كتاب اللّه بأولي الامر ، لان تصرفهم وقد وثقت بهم الأمة هو عين تصرفها ، وذلك منتهى ما يمكن أن تكون به سلطتها من نفسها ، زعم الرازي وغيره ان في هذه الآية دليلا على حجية القياس الأصولي قال الأستاذ الامام : وانما تعلق الأصوليون في هذا بكلمة « يستنبطونه » وهي من مصطلحاتهم الفنية ولم تستعمل في القرآن بهذا المعنى فقولهم مردود . أقول وقد فرع الرازي على هذه المسألة أربعة فروع : ( 1 ) ان في احكام الحوادث ما لا يعرف بالنص ( 2 ) ان الاستنباط حجة ( 3 ) ان العامي يجب عليه تقليد العلماء في أحكام