الشيخ محمد رشيد رضا
301
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الحوادث ( 4 ) ان النبي كان مكلفا باستنباط الاحكام كأولي الامر . وأورد على ما قاله بعض الاعتراضات وأجاب عنها كعادته . ولما كانت المسألة التي أخذ منها هذه الفروع وبنى عليها هذه المجادلة خارجة عن معنى الآية لا تدخل في معناها من باب الحقيقة ولا من باب المجاز ولا من باب الكناية كان جميع ما أورده لغوا أو عبثا هذا شاهد من أفصح الشواهد على ما بيناه قبل من سبب غلط المفسرين ، وبعدهم عن فهم الكثير من آيات الكتاب المبين ، بتفسيره بالاصطلاحات المستحدثة ، فأهل الأصول والفقه اصطلحوا على معنى خاص لكلمة الاستنباط فلما ورد هذا اللفظ في هذه الآية حمل مثل الرازي على فطنته ان يخرج بها عن طريقها ويسير بها في طريق آخر ذي شعاب كثيرة يضل فيها السائر حتى لا مطمع في رجوعه إلى الطريق السوي معنى الآية واضح جلي وهو ان بعض المسلمين من الضعفاء أو المنافقين أو العامة مطلقا يخوضون في أمر الامن والخوف ويذيعون ما يصل إليهم منه على ما في الإذاعة به من الضرر ، والواجب تفويض مثل هذه الأمور العامة إلى الرسول وهو الامام الأعظم والقائد العام في الحرب وإلى أولي الامر من أهل لحل والعقد ورجال الشورى لأنهم هم الذين يستخرجون خفايا هذه الأمور ويعرفون مصلحة الأمة فيها وما ينبغي اذاعته وما لا ينبغي ، فأين هذا من مسائل النص في الكتاب على بعض الأحكام والسكوت عن بعض ووجوب استنباط ما سكت عنه مما نص عليه على الرسول وعلى أولي الامر ، ووجوب اتباع العامة للعلماء فيما يستنبطونه مطلقا ؟ ليس هذا من ذاك في شيء على أن الرازي كان أبطل قول من قال إن أولي الامر هم العلماء وقول من قال إنهم الامراء ، وأثبت انهم أهل الحل والعقد أي جماعتهم . فكيف يبطل ههنا ما حققه في آية ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ) بقوله بوجوب تقليد العلماء كما أبطل به ما حققه في تفسير آيات كثيرة من بطلان التقليد ؟ ؟ قد علمت أيها القارئ الذي أنعم اللّه عليه بنعمة الاستقلال في الفهم أن الآية التي قبل هذه الآية قد أوجبت تدبر القرآن والاهتداء به على كل مسلم فكانت من الآيات الكثيرة الدالة على منع التقليد في أصول الدين وفاقا للرازي الذي