الشيخ محمد رشيد رضا

293

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

« ثم نجد في الشعراء من يجود في الرجز ولا يمكنه نظم القصيد أصلا ، ومنهم من ينظم القصيد ولكن يقصر فيه مهما تكلفه وتعمله ، ومن الناس من يجود في الكلام المرسل فإذا اتى بالموزون قصر ونقص نقصانا عجيبا ، ومنهم من يوجد بضد ذلك . وقد تأملنا نظم القرآن فوجدنا جميع ما يتصرف فيه من الوجوه التي قدمنا ذكرها على حد واحد في حسن النظم ، وبديع التأليف والرصف - لا تفاوت ولا انحطاط عن المنزلة العليا ، ولا اسفال فيه إلى الرتبة الدنيا ، وكذلك قد تأملنا ما يتصرف اليه وجوه الخطاب من الآيات الطويلة والقصيرة فرأينا الاعجاز في جميعها على حد واحد لا يختلف ، وكذلك قد يتفاوت كلام الناس عند إعادة ذكر القصة الواحدة ، فرأيناه غير مختلف ولا متفاوت ، بل هو على نهاية البلاغة ، وغاية البراعة ، فعلمنا بذلك انه مما لا يقدر عليه البشر ، لان الذي يقدرون عليه قد بينا فيه التفاوت الكثير عند التكرار وعند تباين الوجوه واختلاف الأسباب التي يتضمن . « ومعنى رابع وهو ان كلام الفصحاء يتفاوت تفاوتا بينا في الفصل والوصل والعلو والنزول والتقريب والتبعيد وغير ذلك مما ينقسم اليه الخطاب عند النظم ، ويتصرف فيه القول عند الضم والجمع ، الا ترى ان كثيرا من الشعراء قد وصف بالنقص عند التنقل من معنى إلى غيره ، والخروج من باب إلى سواه ، حتى أن أهل الصنعة قد اتفقوا على تقصير البحتري - مع جودة نظمه ، وحسن وصفه - في الخروج من النسيب إلى المديح ، وأطبقوا على أنه لا يحسنه ولا يأتي فيه بشيء ، وإنما اتفق له في مواضع معدودة خروج يرتضى ، وتنقل يستحسن ، وكذلك يختلف سبيل غيره عند الخروج من شيء إلى شيء ، والتحول من باب إلى باب ، « ونحن نفصل بعد هذا ونفسر هذه الجملة ونبين ان القرآن على اختلاف ما يتصرف فيه من الوجوه الكثيرة ، والطرق المختلفة ، يجعل المختلف كالمؤتلف ، والمتباين كالمتناسب ، والمتنافر في الافراد ، إلى حد الآحاد ، وهذا أمر عجيب تتبين فيه الفصاحة ، وتظهر فيه البلاغة ، ويخرج به الكلام عن حد العادة ، ويتجاوز العرف ( وذكر هنا معنى خامسا هو ان نظم القرآن وقع موقعا في البلاغة يخرج عن عادة الانس والجن فهم يعجزون عن مثله ، وذكر ان المراد بكلام الجن