الشيخ محمد رشيد رضا

294

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ما كانت تعتقده العرب وتحكيه من سماع كلام الجن وزجلها وعزيفها ، وليس هذا مما نحن فيه من نفي الخلاف والتفاوت ثم قال ) « ومعنى سادس وهو أن الذي ينقسم عليه الخطاب من البسط والاقتصار ، والجمع والتفريق ، والاستعارة والتصريح ، والتجوز والتحقيق ، ونحو ذلك من الوجوه التي توجد في كلامهم موجود في القرآن . وكل ذلك مما يتجاوز حدود كلامهم المعتاد بينهم في الفصاحة والابداع والبلاغة وقد ضمنا بيان ذلك بعد لأن الوجه هنا ذكر المقدمات دون البسط والتفصيل ( يعني انه في كل ذلك على نسق واحد لا اختلاف فيه ) « ومعنى سابع وهو ان المعاني التي تتضمن في أصل وضع الشريعة والاحكام والاحتجاجات في أصل الدين ، والرد على الملحدين ، على تلك الالفاظ البديعة ، وموافقة بعضها بعضا في اللطف والبراعة ، مما يتعذر على البشر ، ويمنع ذلك أنه قد علم أن تخير الالفاظ للمعاني المتداولة المألوفة ، والأسباب الدائرة بين الناس ، أسهل وأقرب من تخير الالفاظ لمعان مبتكرة ، وأسباب مؤسسة مستحدثة ، فلو أبرع اللفظ في المعنى البارع كان ألطف وأعجب من أن يوجد اللفظ البارع في المعنى المتداول المتكرر ، والامر المتقرر المتصور ، ثم إن انضاف إلى ذلك التصرف البديع في الوجوه التي تتضمن تأييد ما يبتدأ تأسيسه ، ويراد تحقيقه ، بان التفاضل في البراعة والفصاحة ، ثم إذا وجدت الالفاظ وفق المعنى والمعاني وفقها لا يفضل أحدهما على الآخر ، فالبراعة أظهر والفصاحة أتم ( حاصل هذا الوجه ان كلام الفصحاء في المعاني المألوفة المبتذلة لا يخلو من الاختلاف والتفاوت ، فانتفاء الاختلاف من القرآن البتة على تصرفه في ضروب المعاني العلمية العالية التي لم يسبق للعرب التصرف فيها أبلغ في الاعجاز ، وأظهر في الدلالة على كونه من عند اللّه عز وجل . ثم ذكر معنى ثامنا بين فيه وقوع الكلمة من القرآن في كلام البلغاء من شعر أو نثر موضع اليتيمة من واسطة العقد فتأخذه لأجلها الاسماع ، وتتشوف اليه النفوس ، وأجاد في هذا كل الإجادة وليس من موضوع نفي الاختلاف الذي نحن فيه ، وكذلك المعنى التاسع فقد بين فيه أسرار الحروف