الشيخ محمد رشيد رضا
286
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
منصرفين إلى بيوتهم بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ دبرت في أنفسها ليلا غير الذي تقول لها وتظهر الطاعة لك فيه نهارا ، أو بيتت غير الذي تقوله هي لك وتؤكده من طاعتك . والتبييت ما يدبر في الليل من رأي ونية وعزم على عمل ، ومنه قصد العدو ليلا للايقاع به ، ومنه تبييت نية الصيام أي القصد اليه ليلا ، واشتقاقه من البيتوتة فان وقتها هو الوقت الذي يجتمع فيه الفكر ويصفو فيه الذهن ، وقيل إنه مشتق من أبيات الشعر ، أي روزوا ورتبوا في سرائرهم غير ما تأمرهم به كما يروزون الأبيات من الشعر . أي يعزمون على المخالفة مع التفكر في كيفيتها واتقاء غوائلها كما يرتبون أبيات الشعر ويزنونها ، قال الأستاذ الامام ليس هذا خاصا بالمنافقين بل يكون من ضعفاء الايمان ومرضى القلوب وهذا الرأي هو الموافق لما قاله في الآيات السابقة . وروى ابن جرير عن ابن عباس أنه قال هم ناس يقولون عند رسول اللّه ( ص ) آمنا باللّه ورسوله ليأمنوا على دمائهم وأموالهم وإذا برزوا من عند رسول اللّه ( ص ) خالفوا إلى غير ما قالوا عنده فعاتبهم اللّه . وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ أي يبينه لك في كتابه ويفضحهم به بمثل هذه الآية أو يكتبه في صحائف أعمالهم ويجازيهم عليه فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ أيها الرسول ولا تبال بما يبيتون ولا تؤاخذهم بما أسرّوا ولم يظهروا ، أو المراد لا تقبل عليهم بالبشاشة كما تقبل على الصادقين وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ في شأنهم أي اتخذه وكيلا تكل اليه جزاءهم وتفوض اليه أمرهم وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا يحيط علمه بالاعمال ظاهرها وباطنها ، وبما يستحق العاملون من الجزاء عليها ، ويقدر على إيقاع هذا الجزاء لا يعجزه منه شيء ، وانما عليك البلاغ ، وعليه الحساب والجزاء . وهذا يؤيد ما تقدم بيانه في تفسيرنا للآية التي قبل هذه الآية وقد زعم بعض المفسرين ان الامر بالاعراض عن المنافقين هنا منسوخ بقوله تعالى « جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ » * ورده الفخر الرازي ، وقالوا مثله في الآية السابقة ، وقال الأستاذ الإمام انهم لا يكادون يتركون آية من آيات العفو والصفح