الشيخ محمد رشيد رضا
287
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
والحلم ومكارم الأخلاق في معاملة المخالفين الا ويزعمون نسخه . وانكر ذلك أشد الانكار . وليس عندي شيء عنه في تفسير هذه الآيات غير هذا وما تقدم قريبا من قوله بأن الآية ليست في المنافقين خاصة قرأ أبو عمرو وحمزة « بيت طائفة » بادغام التاء في الطاء وهما حرفان متقاربان في المخرج يدغم بعض العرب أحدهما في الآخر كما في هذه القراءة والباقون بغير إدغام ومن مباحث اللفظ اتفاق القراء على تذكير « بيت » قالوا لم يقل « بيتت » بتاء التأنيث لان تأنيث « طائفة » غير حقيقي ولأنها بمعنى الفريق والفوج . وهذا التعليل كاف في بيان الجواز لا في بيان الاختيار والأصل ان يؤنث ضمير المؤنث ولو كان تأنيثه لفظيا ووجه الاختيار الذي أراه هو أن تكرار التاء قبل الطاء القريبة منها في المخرج لا يخلو من ثقل على اللسان ولذلك تحذف إحدى التائين من مثل تتصدى وتتكلم فيقال تصدى وتكلم * * * أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ التدبر هو النظر في أدبار الأمور وعواقبها وتدبر الكلام هو النظر والتفكر في غاياته ومقاصده التي يرمي إليها وعاقبة العامل به والمخالف له ، والمعنى جهل هؤلاء حقيقة الرسالة ، وكنه هذه الهداية ، أفلا يتدبرون القرآن الذي يدل على حقيقتها ، وعاقبة المؤمنين بها والجاحدين لها ، فيعرفوا انه الحق من ربهم ، وأن ما أنذر به الكافرين والمنافقين واقع بهم ، لأنه كما صدق فيما أخبر به عما يبيتون في أنفسهم ، وما يثنون عليه صدورهم ، ويطوون عليه سرائرهم ، يصدق كذلك فيما يخبر به من سوء مصيرهم ، وكون العاقبة للمتقين الصادقين ، والخزي والسوء على الكافرين والمنافقين ، بل لو تدبروه حق التدبر لعلموا أنه يهدي إلى الحق ، ويأمر بالخير والرشد ، وان عاقبة ذلك لا تكون الا الفوز والفلاح ، والصلاح والاصلاح ، فإذا كانوا لاستحواذ الباطل والغيّ عليهم لا يدركون كنه هداية هذا القرآن في ذاتها ، أفلم يئن لهم ان يدركوا من خصائصه ومزاياه ، أنه لا يمكن ان يكون الا من عند اللّه ؟ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً أي لو كان من عند محمد