الشيخ محمد رشيد رضا

283

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

غيرها من الدول الكبرى . وقد فطن لذلك بعض علماء جيرانها الفرنسيس واهابوا بقومهم لأجل اتباعها فيه وكتبوا في ذلك مصنفات كثيرة ترجم بعضها بالعربية واشتهر ككتاب ( سر تقدم الانكليز السكسونيين ) وكتاب ( التربية الاستقلالية ) المسمى في الأصل ( أميل القرن التاسع عشر ) بين صاحب الكتاب الأول في الفصل الأول من الباب الأول ان التعليم في المدارس الفرنسية لا يربي رجالا وانما يصنع آلات تستعملها الحكومة في تنفيذ سياستها كما تشاء . قال في نظام مدارسهم « ومما لا شك فيه ان هذا النظام ملائم لذلك الغرض كما ينبغي أي انه يهيء الطلبة إلى الوظائف الملكية والعسكرية . وبيانه أن الموظف الحقيقي هو الذي يجب عليه أن يتنازل عن ارادته ولهذا وجب أن يتربى على الطاعة ليسهل عليه تنفيذ أمر رؤسائه من غير مناقشة ولا نظر فيها . لان المطلوب منه ان يكون آلة في يد غيره ، والمدارس الداخلية من أعظم البواعث على هذه التربية لان المدرسة نظمت علي نسق ثكنة عسكرية يقوم الطلبة فيها من نومهم على صوت البوق أورنة الجرس ، وينتقلون مصطفين بالنظام من عمل إلى آخر ، ورياضتهم تشبه الاستعراض العسكري فهم لا يخرجون من الدرس الا في رحبات داخل البناء عالية الاسوار ويتمشون فيها جماعات جماعات كأنهم لا يلعبون - إلى أن قال - « ومن الواضح ان هذا النظام يضعف في الشاب قوة العمل الاختياري ويوهن الهمة والاقدام ، كما أن من شأنه أيضا إزالة ما قد يوجد بين الطلبة من تفاوت الانساب لان الدائرة التي تدور على الجميع واحدة فتجعلهم في الحقيقة آلات معدة للعمل الذي يقصد منها . ومما يزيد في سهولة انقيادهم وحسن طاعتهم كون النظام الذي تربوا عليه لا يؤدي إلى تربية الفكر والتعقل بل الطالب يتناول مسرعا كثيرا من المواد سواء أحكم تعلمها أم لا ولا تشغل من ملكاته الا الذاكرة ، فكما أنه يتلقى التعليم من دون نظر فيه تراه ينحني من غير تردد امام الأوامر التي تصدر له من رؤسائه في المصالح التي يوظف فيها » وذكر ان أول من التفت إلى جعل المدارس الفرنسية هكذا هو نابليون الأول