الشيخ محمد رشيد رضا
282
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
التي تختلف فيها أهواء الرؤساء ما لا يظهر الصواب فيه بعد التجارب الا للأفراد من الحكماء المستقلين ، ومنه المسألة التي نبحث فيها وضع رؤساء النصرانية قوانين لتربية القسيسين والرهبان تربية شديدة يؤخذون فيها بالنظام والطاعة العمياء ليكونوا جندا روحيا لرؤسائهم يتحركون بإرادتهم لا بإرادة أنفسهم ويتوجهون حيثما يوجهونهم ، وينفذون كل ما به يأمرونهم ، فاستولى أولئك الرؤساء بهذا النظام على أبناء دينهم من الملوك إلى الصعاليك وسخروهم لإرادتهم قرونا كثيرة ، وفعل الملوك مثل ذلك في سلطتهم الجسدية فاستعبدوا الناس من جهة أخرى وكانوا سبب ضعف أممهم وانحطاطها إلى أن حرروا أنفسهم ثم زلزلت الانقلابات الاجتماعية السلطتين واضعفتهما بما استفاد الأوربيون من العلم واستقلال العقل والإرادة من المسلمين بحروبهم الصليبية وبما بثه فيهم تلاميذ ابن رشد وغيره من حكماء المسلمين ، فضعفت السلطتان ونازعتهما قوة العلم فنزعت منهما ما نزعت ، فلما رأى الفريقان انه لا قبل لهما بالعلم ولا قدرة لهما على إطفاء نوره توجهت همتهما إلى الاستعانة به على تقرير سلطانهما بقدر الامكان فكانت المدارس عونا للاديار وللثكنات في اضعاف إرادة افراد الأمة وافساد بأسهم والتصرف في حريتهم ، وهذا كان في بعض الشعوب أقوى منه في بعض ، كما بين ذلك الحكماء الذين فطنوا له بعد . ولذلك كانت قوة المدنية الإفرنجية الحاضرة بالحرية والاستقلال الشخصي وهم متفاوتون فيه ، وينشدون مرتبة الكمال منه ، وضعفنا بفقد ذلك بعد ان كنا نحن السابقين اليه الانكليز اعرق الشعوب الأوربية في الحرية الشخصية واستقلال الإرادة على تثبتهم في تقاليدهم وبطئهم في التحول عن الامر يكونون عليه ، ولحريتهم واستقلالهم كانوا أكثر استفادة من الاصلاح الديني الذي زلزل سلطة البابوية من بعض البلاد وثل عرشها من بعض ، وحكومة هذا الشعب هي الحكومة الفذة التي جعلت خدمة الجندية اختيارية وأقامت التربية في المدارس على قواعد من الحرية الشخصية والاستقلال وكرامة النفس لم يقمها أحد مثلها ، ولذلك استولت على زهاء خمس البشر الأذلاء بضعف الاستقلال وفقد الحرية على كون جندها أقل من جند