الشيخ محمد رشيد رضا

280

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

تعهد إليهم الأمة وضعه من الاحكام السياسية والمدنية التي مست حاجتها إليها لثقتها بهم لا تقديسا لذواتهم ، وما يضعونه بشروطه التي بيناها في تفسير تلك الآية ينسب إلى الأمة لأنهم وضعوه بالنيابة عنها فلا يشعر أحد متبعيه بأنه صار مستعبدا مستذلا لاحد أولئك النواب عنه لما ذكرناه ولان رأي كل واحد منهم - وقد وضعوا ما وضعوه بالمشاورة - يكون مدغما في آراء الآخرين ، والسلطة في ذلك للأمة في مجموعها لا لأولئك الافراد الذين وكلت إليهم ذلك . على أن الرجل يكل إلى آخر أن ينوب عنه في الامر أو يوكله فيه فيقوم بذلك ولا يرى العاهد أو الموكل انه صار مستذلا له ولا يرى الناس ذلك أيضا بل قد يرون عكسه . فالمؤمن لا يذل ويستخذي لاحد من خلق اللّه لذاته بل للّه وحده . والعزة للّه ولرسوله وللمؤمنين ، كما أثبت الكتاب المبين ومن هذا البيان تفهم قوله تعالى وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً أي ومن تولى وأعرض عن طاعتك التي هي طاعة للّه فليس من شؤون رسالتك ان تكرهه عليها لأننا أرسلناك مبشرا ونذيرا ، وداعيا إلى اللّه باذنه وسراجا منيرا ، لا حفيظا عليهم أي لا مسيطرا ورقيبا تحفظ على الناس أعمالهم فتكرههم على فعل الخير ولا جبارا تجبرهم عليه بل الايمان والطاعة من الأمور الاختيارية التي تتبع الاقتناع ذكرت في هذا المقام ما حققه الفيلسوف العربي الاجتماعي عبد الرحمن بن خلدون في بعض فصول الفصل الثاني من الكتاب الأول من مقدمته في كون معاناة أهل الحضر للاحكام مفسدة لبأسهم ذاهبة بمنعتهم ، وكون الذين يؤخذون بأحكام القهر والسلطة وبأحكام التأديب والتعليم ينقص بأسهم ويغلب عليهم الجبن والضعف ، وكون الدين الاسلامي وازعا اختياريا لا يفسد البأس ، ولا يذلل النفس ، قال بعد مقدمة في ذلك ما نصه « ولهذا نجد المتوحشين من العرب أهل البدو أشد بأسا ممن تأخذهم الاحكام ، ونجد أيضا الذين يعانون الاحكام وملكتها من لدن مرباهم في التأديب والتعليم في الصنائع والعلوم والديانات ينقص ذلك من بأسهم كثيرا ولا يكادون يدفعون عن أنفسهم عادية بوجه من الوجوه ، وهذا شأن طلبة العلم المنتحلين للقراءة والاخذ