الشيخ محمد رشيد رضا
279
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الكتاب العزيز من ثمراتها ، ككون المؤمنين الموحدين ، هم المنصورين الغالبين ، والأئمة الوارثين ، فان قلت انك أثبت في تفسير « أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ » ان طاعة الرسول فيما يأمر به باجتهاده واجبة ، وذكرت في المسألة الثانية عشرة من المسائل التي جعلتها ذيلا لتفسير الآية موضحا لها ان مراتب الطاعة ثلاث الأولى ما يبلغه الرسول عن ربه والثانية ما يأمر به ويحكم فيه باجتهاده والثالثة ما يستنبطه جماعة أولي الأمر مما تحتاج اليه الأمة ، وقد أثبت وجوب طاعة الرسول في اجتهاده في مواضع أخرى من أصرحها وأوضحها ما ذكرته في تفسير ( 4 : 13 تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) الخ ( ص 427 و 428 ج 4 تفسير ) أفلا ينافي ذلك كون الطاعة للّه تعالى وحده وكون هذا مما يدخل في مفهوم التوحيد ؟ قلت لا منافاة بين الامرين فاجتهاد الرسول ( ص ) هو بيان للوحي الذي بلغه عن اللّه تعالى وقد اذن اللّه له بهذا البيان فقال ( 16 : 44 وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ ) وهذا الإذن ضروري لا غنى عنه ونظيره اجتهاد القضاة والحكام في تفسير القوانين فطاعتهم فيما يحكمون فيه باجتهادهم في هذه القوانين انما هو طاعة للقانون لا لشخص الحاكم بجعله شارعا يطاع لذاته . ومن العلماء من يرى أن كل ما أمر به الرسول وما حكم به فهو وحي وان الوحي ليس محصورا في القرآن بل القرآن هو الوحي الذي نزل على النبي ( ص ) بهذا النظم المعجز للتحدي به وثبت بالتواتر القطعي وأمرنا بالتعبد به ، وهناك وحي ليس له خصائص القرآن كلها وهو ما كان يلقيه الروح الأمين في روعه ( ص ) ويعبر عنه بعبارة من عند نفسه ليست معجزة يتحدى بها ولا يتعبد بتلاوتها ولكن يطاع الرسول فيها لأنه ما جاء بها من عند نفسه بل من عند مرسله ، ويستدلون على هذا بما جاء في أول سورة النجم ( وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى ، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى ) وغيرهم يجعل هذا النص في القرآن خاصة وأما طاعة أولي الامر فهي لا تنافي التوحيد أيضا ولا تقتضي ذل المؤمن الموحد بخضوعه لمثله من البشر وجعله شارعا يطاع لذاته ، لان أولي الامر انما يطاعون فيما