الشيخ محمد رشيد رضا

275

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

فهو الخير الذي ساقه اللّه إليك واختاره لك وما خلقت الا لتكون سعيدا بما وهبك . أما ما تجده من حزن وكدر فهو من نفسك ، ولو نفذت بصيرتك إلى سر الحكمة فيما سبق إليك لفرحت بالمحزن فرحك بالسار وانما أنت بقصر نظرك تحب أن تختار ما لم يختره لك العليم بك المدبر لشأنك ولو نظرت إلى العالم نظرة من يعرفه حق المعرفة واخذته كما هو وعلى ما هو عليه لكانت المصائب لديك بمنزلة التوابل الحرّيفة « 1 » يضيفها طاهيك « 2 » على ما يهيئ لك من طعام لتزيده حسن طعم وتشحذ منك الاشتهاء لاستيفاء اللذة ، واستحسنت بذلك كل ما اختاره اللّه لك ولا يمنعك ذلك من التزام حدوده والتعرض لنعمه ، والتحول عن مصاب نقمه ، فان اللذة التي تجدها في النقمة انما هي لذة التأديب ، ومتاع التعليم والتهذيب ، وهو متاع تجتنى فائدته ، ولا تلتزم طريقته ، فكما يسر طالب الأدب أن يتحمل المشقة في تحصيله وأن يلتذ بما يلاقيه من تعب فيه ، يسره كذلك أن يرتقي فوق ذلك المقام إلى مستوى يجد نفسه فيه متمتعا بما حصل ، بالغا ما أمل ، وفي هذا كفاية لمن يريد ان يكتفي اه * * * ( 79 : 82 ) مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ ، وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً ( 80 : 83 ) وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ ، وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ، وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا ( 81 : 84 ) أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ، وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً هذه الآيات متصلة بما قبلها مسايرة لها فقد تقدم أن من أصول هذه الشريعة طاعة

--> ( 1 ) هي ما يطيب به الطعام كالفلفل وأحدها تابل بفتح الباء وكسرها ( 2 ) الطاهي الطباخ